عدن: عاصمة "المدنية" العالقة في قبضة العسكرة وصراعات النفوذ

تقارير - منذ 1 يوم

عدن.عين الجنوب||خاص         

لم تعد عدن تلك المدينة المدنية الهادئة التي كانت تُعرف بتاريخها الثقافي والتجاري وانفتاحها الاجتماعي، بل تحولت خلال الفتره الأخيرة إلى مساحة مكتظة بالنقاط العسكرية والأطقم المسلحة والمعسكرات المستحدثة، حتى بات المواطن يشعر أن الحياة اليومية تُدار بعقلية أمنية أكثر من كونها تُدار بعقلية دولة تبحث عن الاستقرار والتنمية والخدمات. فالشوارع التي كانت تستقبل العائلات والطلاب والعمال أصبحت تمر عبر متاريس وحواجز أمنية، والأحياء التي كان الناس ينتظرون فيها مشاريع الكهرباء والحدائق والمنتزهات تحولت إلى مناطق نفوذ وثكنات وساحات انتشار عسكري مفتوح.
الشارع العدني اليوم يطرح أسئلة كبيرة تتكرر في المجالس والأسواق ووسائل التواصل الاجتماعي: لماذا يتم إخراج وحدات جنوبية من عدن باتجاه الجبهات بينما تُستقدم في المقابل قوات أخرى إلى المدينة؟ ولماذا تتوسع المظاهر العسكرية في مدينة يفترض أنها عاصمه ومركز الإدارة والخدمات؟ وما الذي تبقى من الوعود التي تحدثت سابقًا عن إخلاء المعسكرات وتحويل مواقعها إلى حدائق ومتنفسات عامة ومشاريع تخدم السكان؟
الكثير من أبناء عدن يرون أن ما يحدث يتجاوز مجرد ترتيبات أمنية مؤقتة، بل يعكس حالة من إعادة تشكيل النفوذ داخل المدينة، في ظل صراع غير معلن على الأرض والمواقع الحساسة ومراكز القرار. فكل طرف يحاول تثبيت حضوره عبر القوة العسكرية، بينما المواطن البسيط هو من يدفع الثمن يوميًا من أمنه وراحته وخدماته ومستقبل مدينته. وبينما كانت الآمال معلقة على أن تكون عدن نموذجًا للدولة والاستقرار بعد سنوات الحرب، تحولت المدينة تدريجيًا إلى ساحة استعراض للقوة العسكرية، وكأن الحرب لم تغادرها أصلًا.
المفارقة التي يراها كثيرون أن الحديث عن السلام يتزامن مع تصاعد العسكرة داخل عدن. فبدل أن تختفي المدرعات من الشوارع، ازدادت. وبدل أن تُزال المعسكرات من الأحياء السكنية، توسعت. وبدل أن تتجه الموارد نحو الكهرباء والمياه والرواتب وتحسين الخدمات، باتت الأولوية في نظر الناس تذهب نحو التحشيد الأمني والعسكري. وهذا ما خلق حالة من القلق الشعبي، خصوصًا في ظل الانهيار الاقتصادي والمعيشي الذي يعيشه المواطن العدني يومًا بعد آخر.
أما الوعود السعودية التي جرى الحديث عنها في مراحل سابقة بشأن تحويل بعض المعسكرات إلى حدائق ومنتزهات ومشاريع تنموية، فقد أصبحت بالنسبة لكثير من المواطنين مجرد شعارات لم تُترجم على أرض الواقع. فلا الحدائق ظهرت، ولا المعسكرات اختفت، بل إن المدينة شهدت في المقابل مزيدًا من الانتشار العسكري والتحصينات والنقاط المسلحة. وهو ما جعل الناس يتساءلون: هل كانت تلك الوعود جزءًا من خطاب سياسي لتهدئة الشارع فقط، أم أن هناك أطرافًا لا تريد أصلًا أن تعود عدن مدينة مدنية مستقرة؟
يرى مراقبون أن عسكرة الحياة المدنية في عدن تحمل أبعادًا سياسية وأمنية معقدة، فقوى النفوذ تدرك أهمية المدينة باعتبارها مركزًا سياسيًا واقتصاديًا وميناءً استراتيجيًا مهمًا، ولذلك فإن السيطرة عليها تعني امتلاك نفوذ واسع في الجنوب واليمن عمومًا. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في أن هذا الصراع يُدار غالبًا بعيدًا عن مصالح السكان واحتياجاتهم الأساسية، فالمواطن الذي انهكه الفقر وسنوات الحرب يريد أن يعيش بأمان وأن يجد كهرباء وماء وفرص عمل ومستقبلًا مستقرًا لأبنائه.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو عدن وكأنها عالقة بين خطابين متناقضين؛ خطاب يتحدث عن السلام والاستقرار وإعادة الإعمار، وخطاب آخر يُترجم عمليًا بمزيد من السلاح والعسكر والنقاط الأمنية. وبين الخطابين تضيع المدينة التي كانت يومًا رمزًا للحياة المدنية والتنوع والانفتاح.
الناس في عدن لا يرفضون الأمن، بل يطالبون بأمن يحمي المدينة لا أن يخنقها، وبقوات تحفظ الاستقرار لا أن تجعل المواطن يشعر بأنه يعيش داخل معسكر مفتوح. فعدن التي عرفت السينما والمسرح والمدارس والحدائق والأسواق الحرة، لا يريد أهلها أن تُختزل اليوم في صورة مدرعات وأطقم وأسلاك شائكة.
ويبقى السؤال الأكبر الذي يتردد بصوت مرتفع في الشارع العدني: ماذا يُراد لعدن فعلًا؟ هل يُراد لها أن تكون عاصمة مدنية آمنة تستعيد دورها التاريخي، أم أن قدرها أن تبقى مدينة محاصرة بالعسكر وصراعات النفوذ ومراكز القوة؟ الزمن وحده قد يجيب، لكن المؤكد أن المدينة التي أنهكتها الحروب لم تعد تحتمل المزيد من تحويل حياتها المدنية إلى مشهد عسكري دائم.

فيديو