بين حق تقرير المصير وواقع الحرب.. الجنوب يتحدث بصوت الحق الذي لايقبل الانتقاص

تقارير - منذ 6 ساعات

عدن.عين الجنوب|خاص         

في خضم السجالات السياسية والإعلامية التي تعيشها الساحة اليمنية، يبرز سؤال الجنوب مجددًا باعتباره القضية الأكثر حضورًا وإثارة للجدل، ليس فقط داخل اليمن، بل على مستوى الإقليم بأكمله. وبين خطاب يتمسك ببقاء الوحدة اليمنية كخيار وحيد، وآخر يرى أن استعادة الدولة الجنوبية حق سياسي وشعبي لا يمكن تجاوزه، تتسع الهوة يومًا بعد آخر، ويزداد الاحتقان الناتج عن تجاهل الحقائق الموجودة على الأرض.
وفي هذا السياق، تبدو دعوات بعض الأصوات الجنوبية أكثر وضوحًا وصراحة، حين تؤكد أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تتم عبر الإنكار أو التخوين أو محاولة فرض تصورات سياسية بالقوة، بل عبر الاحتكام إلى إرادة الناس أنفسهم. فالقضية – بحسب كثير من الجنوبيين – لم تعد مجرد خلاف سياسي عابر، وإنما تحولت إلى قضية هوية ومستقبل وحق شعب في اختيار مصيره بحرية كاملة.
ويرى مراقبون أن أي صحفي أو باحث يسعى لفهم المشهد بموضوعية، لا يمكنه الاكتفاء بالتحليلات النظرية أو الخطابات الإعلامية، بل عليه النزول إلى الشارع في محافظات الجنوب، والاستماع مباشرة إلى المواطنين بمختلف شرائحهم، لمعرفة كيف ينظر الناس اليوم إلى الوحدة اليمنية، وكيف يقيّمون التجربة التي عاشوها منذ عام 1990 وحتى اللحظة.
ويؤكد قطاع واسع من أبناء الجنوب أن مطلبهم لا يستهدف الشعب في شمال اليمن، ولا يقوم على أساس الكراهية أو العداء، بل يرتبط – وفق تعبيرهم – بحق سياسي يرون أنه مشروع، يتمثل في تمكين شعب الجنوب من تقرير مستقبله بنفسه، سواء اختار البقاء في إطار الوحدة أو اختار استعادة دولته السابقة. ويشدد هؤلاء على أن الاحتكام لإرادة الناس عبر وسائل سلمية وعادلة يمثل الطريق الأكثر عقلانية لإنهاء الصراع المزمن.
وفي المقابل، يرى كثير من الجنوبيين أن تجاهل هذا الطرح، أو محاولة الالتفاف عليه تحت أي مبرر، لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، معتبرين أن فرض أي صيغة سياسية بالقوة أثبت فشله خلال العقود الماضية، وأن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يتحقق دون معالجة جذور المشكلة السياسية القائمة.
كما يلفت الخطاب الجنوبي المعاصر إلى نقطة يعتبرها جوهرية، وهي التفريق بين الخلاف السياسي وبين العلاقة الإنسانية والاجتماعية بين أبناء الشمال والجنوب. فبرغم حدة الخلافات السياسية، يؤكد كثير من الجنوبيين أن أبناء الشمال يعيشون في محافظات الجنوب بصورة طبيعية، وأن الروابط الاجتماعية والإنسانية لا تزال قائمة، بعيدًا عن خطابات التحريض والكراهية التي تتبادلها بعض النخب السياسية والإعلامية.
ومن زاوية أخرى، يطرح هذا الخطاب تساؤلات حادة بشأن أولويات القوى السياسية اليمنية، خصوصًا في ظل استمرار سيطرة جماعة الحوثي على مساحات واسعة من شمال اليمن. إذ يرى أصحاب هذا الطرح أن جزءًا كبيرًا من الجهد الإعلامي والسياسي يُوجَّه نحو مهاجمة مطالب الجنوبيين، بدل التركيز على معالجة التحديات الكبرى المرتبطة بالحرب والانهيار الاقتصادي ومستقبل الدولة اليمنية نفسها.
وفي ظل هذا الواقع المعقد، تبدو الحقيقة الأكثر وضوحًا أن الأزمة اليمنية لم تعد قابلة للحلول التقليدية، وأن أي تسوية سياسية مستقبلية لن تنجح ما لم تستوعب طبيعة التحولات التي حدثت على الأرض، وحجم التغيرات التي طرأت على وعي الناس وخياراتهم السياسية، سواء في الجنوب أو في الشمال.
ويبقى السؤال الأهم: هل تستطيع القوى اليمنية والإقليمية والدولية الوصول إلى صيغة تضمن احترام إرادة الشعوب وتمنع عودة الصراعات؟ أم أن تجاهل هذه الحقائق سيقود المنطقة إلى مزيد من الانقسام والتوتر؟

فيديو