من الخدمات إلى التحرير.. لماذا بقيت قضية شعب الجنوب حيّة رغم الأزمات؟

تقارير - منذ 7 ساعات

عدن | عين الجنوب ||خاص .   

لم تكن القضية الجنوبية في بداياتها مشروعاً سياسياً يبحث عن حدود أو شعارات أو خرائط جديدة، بل انطلقت من معاناة إنسانية يومية عاشها المواطن الجنوبي وهو يبحث عن حقه في الوظيفة والراتب والخدمات والكرامة. ومن هنا يمكن فهم سرّ استمرار هذه القضية وبقائها حاضرة في وجدان الشارع الجنوبي رغم تعاقب السنوات وتغيّر الظروف السياسية والعسكرية.
لقد بدأت الاحتجاجات والمطالبات الشعبية في الجنوب على خلفية شعور متزايد بالتهميش والإقصاء، حيث وجد آلاف الموظفين والعسكريين والمتقاعدين أنفسهم خارج مؤسسات الدولة أو محرومين من حقوقهم الأساسية. ومع مرور الوقت، تحولت تلك المطالب الحقوقية إلى حالة شعبية واسعة تطالب بإنصاف الإنسان الجنوبي وإعادة الاعتبار له بعد سنوات من المعاناة.
غير أن تجاهل تلك المطالب وعدم تقديم حلول حقيقية لها أسهم في توسيع دائرة الاحتقان الشعبي. فكلما أُغلقت أبواب المعالجات أمام المطالب المشروعة، اتجهت القضية نحو أفق سياسي أوسع، لتتحول من مطالب خدمية ومعيشية إلى مشروع وطني يرى أن جذور المشكلة أعمق من مجرد أزمات عابرة أو اختلالات إدارية.
واليوم، وبعد سنوات طويلة من الأزمات المتراكمة، ما زالت معاناة المواطنين تتصدر المشهد. فالانهيار المستمر في الخدمات الأساسية، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وتراجع القدرة الشرائية، وغياب الحلول المستدامة، كلها عوامل زادت من حجم الضغوط التي يواجهها المجتمع. ومع ذلك، لم تؤدِّ هذه الظروف إلى تراجع الحضور الشعبي للقضية الجنوبية، بل دفعت كثيرين إلى الربط بين تحسين أوضاعهم المعيشية وبين تحقيق تطلعاتهم السياسية والوطنية.
إن الوطن بالنسبة للمواطن البسيط ليس مجرد علم أو نشيد أو حدود جغرافية، بل هو أيضاً كهرباء مستقرة، ومياه متوفرة، وفرصة عمل كريمة، وتعليم جيد، ورعاية صحية تحفظ كرامة الإنسان. وعندما تغيب هذه المقومات، يصبح الحديث عن الحقوق والخدمات جزءاً لا يتجزأ من أي مشروع وطني يسعى إلى بناء مستقبل أفضل.
ومن هنا تبدو محاولات الفصل بين المطالب الخدمية والقضية الوطنية غير منسجمة مع الواقع الذي يعيشه الناس. فالمواطن الذي يطالب بالكهرباء أو بتحسين مستوى المعيشة لا يتخلى بالضرورة عن قناعاته السياسية، كما أن التمسك بالمشروع الوطني لا يعني تجاهل احتياجات الناس اليومية ومعاناتهم المتزايدة.
لقد أثبتت التجارب أن القضايا الوطنية الكبرى لا تنفصل عن هموم المواطنين، وأن أي مشروع سياسي لا يضع الإنسان وحقوقه في قلب أولوياته يظل مشروعاً ناقصاً. فالكرامة والعدالة والاستقرار والخدمات ليست مطالب متعارضة مع الأهداف الوطنية، بل هي الأساس الذي يمنحها الشرعية والقوة والاستمرارية.
وفي ظل التحديات الراهنة، يظل السؤال المطروح: هل يمكن تحقيق الاستقرار الحقيقي دون معالجة جذور الأزمات المعيشية والخدمية؟ أم أن استمرار المعاناة سيبقي القضية حاضرة بقوة في الوعي الشعبي باعتبارها تعبيراً عن تطلعات الناس إلى حياة أكثر أمناً وكرامة واستقراراً؟
ما يبدو واضحاً أن القضية الجنوبية لم تنشأ من فراغ، ولم تتشكل بعيداً عن واقع الناس، بل ولدت من رحم المعاناة اليومية، ولهذا بقيت متجذرة في الوجدان الشعبي. فحين تتداخل المطالب الحقوقية مع التطلعات الوطنية، يصبح من الصعب الفصل بينهما، لأنهما في نظر كثيرين وجهان لحقيقة واحدة عنوانها الإنسان وحقه في العيش الكريم داخل وطن يوفر له الأمن والعدالة والمستقبل.

فيديو