الجنوب بين مطرقة الأزمات وسندان الاستهداف.. هل هي صناعة ممنهجة أم واقع فرضته الظروف؟

السياسة - منذ 1 ساعة

عدن | عين الجنوب |خاص. 

لم تعد الأزمات التي يعيشها الجنوب مجرد أحداث عابرة أو اختلالات مؤقتة يمكن تفسيرها بعوامل اقتصادية أو إدارية فحسب، بل تحولت إلى حالة مستمرة ومتراكمة تفرض نفسها على حياة المواطنين بشكل يومي، وتثير تساؤلات واسعة حول طبيعتها وأسبابها الحقيقية. فمع كل أزمة كهرباء أو انهيار للعملة أو تراجع للخدمات الأساسية، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: هل ما يحدث هو نتيجة طبيعية لظروف الحرب والتحديات المعقدة التي تمر بها البلاد، أم أن هناك من يدير هذه الأزمات ويوظفها ضمن سياسة ممنهجة تستهدف إنهاك الجنوب وإضعاف قدرته على النهوض والاستقرار؟
المشهد العام يوحي بأن حجم الأزمات وتوقيتها وتكرارها يتجاوز في كثير من الأحيان حدود المصادفة. فبينما يمتلك الجنوب موارد وثروات وموقعًا استراتيجيًا يؤهله للعب دور اقتصادي مهم، يجد المواطن نفسه أمام واقع معيشي بالغ الصعوبة، حيث تتراجع الخدمات الأساسية وتتفاقم الأعباء المعيشية بصورة مستمرة، في ظل غياب حلول جذرية قادرة على معالجة أسباب الأزمة من جذورها.
وخلال السنوات الماضية، اعتاد الشارع الجنوبي على دورة متكررة من الأزمات تبدأ بوعود المعالجة وتنتهي بعودة المشكلة بصورة أكثر تعقيدًا. الكهرباء تعود لتنهار مع كل صيف، والعملة المحلية تواصل تراجعها، وأسعار السلع ترتفع بوتيرة متسارعة، فيما تبقى الحلول المؤقتة هي العنوان الأبرز للمرحلة. هذا الواقع دفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن بعض الأزمات لم تعد مجرد نتائج طبيعية للظروف، بل أصبحت أدوات ضغط تستخدم لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية أو حتى أمنية.
وفي المقابل، يرى آخرون أن تحميل جهة معينة مسؤولية كل ما يحدث قد يكون تبسيطًا لمشهد شديد التعقيد، فالحرب الممتدة منذ سنوات، والانقسامات السياسية، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، وتراجع مؤسسات الدولة، جميعها عوامل ساهمت في إنتاج واقع مأزوم يصعب تجاوزه في وقت قصير. ومن هذا المنطلق، فإن الأزمات قد تكون انعكاسًا طبيعيًا لبيئة مضطربة أكثر من كونها مشروعًا مدبرًا بشكل كامل.
لكن ما يعزز حالة الشكوك لدى كثير من المواطنين هو أن الجنوب ظل، رغم كل التضحيات التي قدمها في مواجهة الإرهاب وحماية الممرات البحرية والحفاظ على قدر من الاستقرار، يواجه تحديات متزايدة في مختلف القطاعات. فكلما ظهرت مؤشرات على إمكانية التعافي أو التحسن، برزت أزمة جديدة تعيد الأمور إلى نقطة الصفر، وكأن هناك من لا يريد لهذا الواقع أن يتغير أو لهذا المجتمع أن يلتقط أنفاسه.
لقد أثبتت التجارب أن المجتمعات لا تنهار بسبب الأزمات وحدها، بل بسبب استمرارها دون حلول، وبسبب فقدان الثقة بوجود إرادة حقيقية لمعالجتها. ومن هنا فإن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في تراجع الخدمات أو ارتفاع الأسعار، بل في تراكم الإحباط الشعبي واتساع الفجوة بين المواطنين والجهات المسؤولة عن إدارة الشأن العام.
ومهما اختلفت التفسيرات بين من يعتقد بوجود صناعة ممنهجة للأزمات ومن يراها نتاجًا طبيعيًا للظروف السياسية والاقتصادية المعقدة، فإن الحقيقة الثابتة هي أن المواطن الجنوبي هو من يدفع الثمن يوميًا. ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بتبادل الاتهامات أو البحث عن المبررات، بل العمل الجاد على بناء مؤسسات قادرة على إدارة الموارد بكفاءة، وتعزيز الشفافية، ومواجهة الفساد، ووضع خطط واقعية لمعالجة المشكلات المزمنة التي أنهكت المجتمع.
فالجنوب يقف اليوم أمام مرحلة مفصلية تتطلب قراءة عميقة للواقع بعيدًا عن الشعارات والانفعالات. وإذا كانت بعض الأزمات مفروضة بفعل الظروف، فإن مواجهتها تتطلب إدارة أكثر فاعلية وحضورًا. أما إذا كانت هناك أطراف تستثمر في استمرار هذه الأزمات وتغذيتها، فإن كشف تلك الممارسات ومواجهتها يصبح واجبًا وطنيًا لا يحتمل التأجيل.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام الجميع: هل الأزمات التي يعيشها الجنوب قدر لا مفر منه فرضته تعقيدات المرحلة، أم أنها جزء من لعبة أكبر تُدار في الخفاء؟ وبين هذا الرأي وذاك، تظل معاناة المواطن هي الحقيقة الأكثر وضوحًا، وتظل الحاجة إلى حلول حقيقية ومستدامة هي المطلب الذي لا يمكن تأجيله أو الالتفاف عليه.

فيديو