الإسلام السياسي.. حين تحوّلت الشعارات إلى أدوات للهيمنة وإعادة تشكيل المجتمعات

السياسة - منذ 6 ساعات

عدن.عين الجنوب|| خاص       
على امتداد عقود طويلة، نجح الإسلام السياسي في تقديم نفسه بوصفه مشروعاً للإصلاح والنهضة واستعادة القيم الدينية في الحياة العامة، غير أن التجارب التي شهدتها العديد من الدول العربية كشفت عن فجوة واسعة بين الشعارات المرفوعة والنتائج التي تحققت على أرض الواقع. فبدلاً من بناء الدولة وتعزيز مؤسساتها، انخرطت العديد من تيارات الإسلام السياسي في صراعات النفوذ والسلطة، مستفيدة من الخطاب الديني كوسيلة للتأثير في الوعي الجمعي وتوجيه المزاج الشعبي نحو معارك أيديولوجية لا تنتهي.
ويرى مراقبون أن أخطر ما أفرزته هذه التيارات لم يكن مجرد التنافس السياسي، بل قدرتها على إعادة تشكيل المفاهيم الاجتماعية والثقافية داخل المجتمعات. فقد جرى توظيف المنابر الدينية والأنشطة التعليمية والخيرية والإعلامية لإنتاج رؤية أحادية للعالم، تُصوَّر فيها الجماعة أو التنظيم باعتباره الممثل الشرعي للدين، بينما يُدفع المخالفون إلى دائرة التشكيك أو التخوين أو الاتهام بالعداء للقيم الإسلامية.
ومع تصاعد نفوذ هذه التيارات في عدد من البلدان، تراجع حضور الدولة المدنية لصالح شبكات ولاء عابرة للمؤسسات الرسمية. وأصبح الانتماء الفكري أو التنظيمي في بعض الحالات أكثر تأثيراً من مفهوم المواطنة، الأمر الذي أسهم في إضعاف الهوية الوطنية وتعميق الانقسامات الاجتماعية والسياسية.
وفي السياق اليمني، يرى العديد من المتابعين أن مرحلة ما بعد التحولات السياسية الكبرى شهدت توسعاً ملحوظاً للخطاب الديني المؤدلج في المجال العام، حيث تداخل الدين بالسياسة بصورة جعلت كثيراً من القضايا الوطنية تُقرأ من منظور أيديولوجي ضيق، بدلاً من التعامل معها باعتبارها قضايا دولة وتنمية ومصالح عامة. وقد انعكس ذلك على طبيعة الصراعات التي شهدتها البلاد، والتي لم تعد محكومة فقط بالتنافس السياسي التقليدي، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بصراعات فكرية وهوياتية أكثر تعقيداً.
ويؤكد منتقدو الإسلام السياسي أن المشكلة لا تكمن في الدين ذاته، باعتباره منظومة قيم وأخلاق وروحانية، وإنما في تحويله إلى أداة للصراع على السلطة والنفوذ. فحين يُستغل المقدس لتحقيق أهداف سياسية، يصبح من الصعب التمييز بين النقد السياسي والاعتراض الديني، وهو ما يمنح الجماعات المؤدلجة قدرة استثنائية على حماية مشاريعها من المساءلة والمحاسبة.
كما أن التجارب المختلفة أظهرت أن الخطاب الذي يبدأ بالدعوة إلى الإصلاح الأخلاقي قد ينتهي في كثير من الأحيان إلى إنتاج أشكال جديدة من الاستقطاب والانقسام المجتمعي، خصوصاً عندما تُختزل مشكلات الدولة المعقدة في شعارات دينية عامة لا تقدم حلولاً عملية للأزمات الاقتصادية والإدارية والتنموية.
واليوم، تتزايد الدعوات إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الوطنية الحديثة القائمة على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، بعيداً عن محاولات توظيف الدين في الصراعات السياسية. فالتحديات التي تواجه المجتمعات العربية لم تعد بحاجة إلى مزيد من الشعارات الأيديولوجية، بقدر ما تحتاج إلى مؤسسات فاعلة وإدارة رشيدة ومشاريع تنموية قادرة على تلبية احتياجات المواطنين وتحقيق الاستقرار.
وفي ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يبدو أن مستقبل المجتمعات لن يُحسم بقدرة أي تيار على احتكار الخطاب الديني، بل بمدى نجاح الدول في بناء عقد اجتماعي جديد يضمن التعددية ويحمي الحريات ويُبقي الدين في مكانته السامية كمرجعية أخلاقية جامعة، لا كأداة للصراع السياسي وإدارة معارك النفوذ.

فيديو