مجالس التنسيق.. بوابة لتفكيك المجتمع الجنوبي و مشروع لإعادة صياغة هويته

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن.عين الجنوب||خاص         
في وقت يواجه فيه الجنوب تحديات سياسية وأمنية واقتصادية معقدة، تتصاعد حالة الجدل حول ما يُعرف بـ"مجالس التنسيق"، وهي كيانات يصفها مؤيدوها بأنها أدوات لتعزيز الحوار والتقارب بين مختلف المكونات، بينما ينظر إليها منتقدوها باعتبارها حلقة جديدة في مشروع يستهدف إعادة تشكيل المجتمع الجنوبي وإضعاف بنيته الوطنية والاجتماعية.
ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن ظهور هذه المجالس لا يمكن فصله عن سلسلة من التحولات التي شهدها الجنوب خلال السنوات الماضية، والتي يرون أنها اتسمت بمحاولات متكررة لإعادة إنتاج المشهد السياسي والاجتماعي عبر إنشاء مكونات وأجسام موازية، بما يؤدي – وفق تحليلهم – إلى إضعاف المرجعيات التقليدية وتوزيع الولاءات الخارجيه على كيانات متعددة، تضعف النسيج المجتمعي الجنوبي وتعمل على تفكيكه بدلاً من توحيده في إطار وطني جنوبي جامع.
ويرى منتقدو هذه المجالس أن أخطر ما يميزها هو انتقال حالة الانقسام من المجال السياسي إلى المجال الاجتماعي، إذ لا يعود الخلاف مقتصرًا على البرامج أو الرؤى السياسية، بل يمتد إلى التركيبه المجتمعيه للجنوب ذاته، بما يحمله ذلك من مخاطر على العلاقات بين المحافظات والقبائل والنخب والشرائح المختلفة، وهو ما قد يترك آثارًا بعيدة المدى على وحدة المجتمع الجنوبي.
وبحسب هذه القراءة، فإن سياسة إنشاء كيانات تحمل عناوين براقة مثل "التنسيق" و"الشراكة" و"الحوار" قد تبدو في ظاهرها دعوة للتقارب، إلا أنها قد تؤدي عمليًا إلى خلق مراكز قرار متوازية، وإضعاف المؤسسات القائمة، وإرباك المشهد العام من خلال تعدد الجهات التي تدّعي تمثيل المجتمع أو التحدث باسمه.
ويعتبر أصحاب هذا الطرح أن المجتمعات الخارجة من الصراعات تكون أكثر عرضة لمشروعات إعادة الهندسة السياسية والاجتماعية، حيث يجري – وفق رأيهم – استحداث أطر جديدة بهدف إعادة ترتيب موازين القوى، وإحداث تغييرات تدريجية في طبيعة الهوية السياسية والثقافية للمجتمع، بما يضمن بقاء حالة الانقسام وإضعاف أي مشروع وطني موحد.
كما يرى هؤلاء أن تعدد المجالس والهيئات تحت مسميات مختلفة قد يخلق حالة من الضبابية لدى المواطنين، ويجعل من الصعب التمييز بين الجهات التي تمتلك تمثيلًا حقيقيًا وتلك التي تستمد حضورها من الدعم السياسي أو المالي،الخارجي الأمر الذي قد يؤدي إلى فقدان الثقة بالمؤسسات وإضعاف المشاركة الشعبية في القضايا المصيرية.
ويحذر منتقدو "مجالس التنسيق" من أن استمرار إنشاء كيانات موازية قد يفتح الباب أمام إعادة رسم الخريطة الاجتماعية في الجنوب، ليس عبر القوة المباشرة، وإنما من خلال إعادة تشكيل الولاءات، وإيجاد اصطفافات جديدة، وتقديم قيادات بديلة، بما قد ينعكس على الهوية الوطنية الجنوبية التي تشكلت عبر عقود طويلة من النضال والتحولات السياسية.
ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن الحفاظ على الهوية الجنوبية لا يتحقق عبر تكثير الكيانات، وإنما من خلال تعزيز المؤسسات الجامعة، وترسيخ الشراكة الحقيقية، واحترام الإرادة الشعبية، والابتعاد عن أي مشاريع قد تُفسَّر على أنها تسعى إلى تفكيك المجتمع أو إعادة تشكيله وفق حسابات سياسية ضيقة.
ويرون أن الجنوب اليوم بحاجة إلى مبادرات تعزز وحدة الصف، وتدعم مؤسسات قادرة على استيعاب مختلف الآراء دون إنتاج هياكل جديدة تزيد من حالة الاستقطاب، معتبرين أن قوة أي مجتمع تكمن في تماسكه الداخلي، لا في تعدد الأطر التي تتنافس على تمثيله.
وفي المقابل،الذي يشير فيه مؤيدو هذه المجالس إلى أنها تهدف إلى توسيع دائرة الحوار وإشراك مختلف القوى الاجتماعية والسياسية في النقاش العام، ويرون أن الحكم عليها يجب أن يكون من خلال ممارساتها ونتائجها العملية، وليس من خلال الافتراضات المسبقة أو التخوفات السياسية.لكن مثل هذاالطرح لن يودي سوى لمزيد من التشضي والاختلاف كون هذه المجالس لم تنبع من اراده شعب الجنوب ولن تلبي تطلعاته 
وفي نهاية المطاف، يبقى الجدل حول "مجالس التنسيق" جزءًا من النقاش الأوسع بشأن مستقبل الجنوب وشكل مؤسساته وهويته السياسية والاجتماعية. وبين من يراها فرصة لبناء جسور التواصل، ومن يعتبرها خطوة قد تسهم في تفكيك المجتمع وإعادة تشكيل هويته، سيظل الفيصل هو ما ستكشفه التجربة العملية، ومدى قدرتها على تعزيز التماسك المجتمعي أو، على العكس، تعميق الانقسامات القائمة.

فيديو