المجلس الانتقالي الجنوبي والسعودية: ما المطلوب لاحتواء التصعيد

دراسات وتحليلات - منذ 5 ساعات

عين الجنوب | سوث24           


دخلت العلاقة بين المجلس الانتقالي الجنوبي والمملكة العربية السعودية واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ بدء التحالف ضد الحوثيين عام 2015. فالتوتر الذي تصاعد منذ أواخر عام 2025 لم يعد خلافًا سياسيًا بحدود واضحة، بل تحوّل إلى أزمة ثقة مفتوحة، تتداخل فيها حسابات الأمن والنفوذ، ومستقبل قضية الجنوب، وحدود الدور السعودي.

كانت أحداث حضرموت والمهرة في ديسمبر 2025 ويناير 2026، وما لحقها بعد ذلك، نقطة التحول الأبرز. وجاءت دعوة المجلس الانتقالي، في 3 يوليو، إلى برنامج تصعيدي سلمي ضد ما وصفه بـ“الوصاية السعودية وأدواتها الاحتلالية”، والمشاركة الواسعة في "مليونية" 7 يوليو في عدن وحضرموت، لتضع هذا الصراع بين السعودية والمجلس الانتقالي في مرحلة تصعيدية واضحة بدأتها الرياض عندما ضغطت على وفد المجلس لإعلان حله في يناير الماضي، مرورًا بإجراءات تقويض دور المجلس ومؤسساته عبر السلطات المدعومة منها في الداخل.

المجلس يتقدم سياسيًا وشعبيًا لأنه يستند إلى حاضنة جنوبية واسعة. 

ما المطلوب من الطرفين؟

رغم تعقيد وحدة الوضع الحالي، لا يبدو احتواء التصعيد بين المجلس الانتقالي الجنوبي والمملكة العربية السعودية مستحيلًا، لكنه يتطلب انتقال العلاقة من منطق الضغط والاستهداف ورد الفعل إلى مقاربة أكثر وضوحًا، تقوم على الاعتراف المتبادل بالمصالح والمخاوف، وفتح قناة سياسية مباشرة تعالج جذور الخلاف التكتيكي والاستراتيجي بدل إدارتها عبر الإعلام والاستهداف السياسي والقمع الأمني. 

فالسعودية لا تزال طرفًا رئيسيًا في الملف اليمني، بحكم نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي، وبحكم موقعها في رعاية التسوية اليمنية ومسارات التهدئة الإقليمية. وفي المقابل، لا يزال المجلس الانتقالي الجنوبي قوة سياسية وعسكرية وشعبية محورية في الجنوب، يصعب تجاوزها في أي ترتيبات تتعلق بمستقبل الجنوب أو بأمنه أو بموقعه داخل أي تسوية شاملة.

وفي هذا السياق، ترى الخبيرة في القانون الدولي رشا جرهوم أن تحقيق تهدئة حقيقية يتطلب أولًا التمييز بين المجلس الانتقالي كحامل سياسي ومؤسسة قائمة، وبين مواقف بعض قياداته أو خطاباتهم الآنية. وتشير إلى الحاجة إلى قدر أكبر من النضج السياسي لإعادة بناء العلاقة مع السعودية على أسس أكثر هدوءًا وواقعية، خصوصًا أن هناك قواسم مشتركة عديدة بين الطرفين، تلتقي عند ملفات جوهرية مثل الحد من نفوذ الحوثيين، ومنع انهيار الوضع الأمني في الجنوب، والحفاظ على استقرار الممرات البحرية، وتأمين الخدمات الأساسية، وإعادة إنعاش الاقتصاد.

وبحسب جرهوم، تبدأ خطوات إعادة بناء الثقة بوقف التصعيد والتحريض الإعلامي، والابتعاد عن الخطاب السياسي المتطرف، والتعامل بإيجابية مع فرصة الحوار الجنوبي–الجنوبي التي ترعاها السعودية. وترى أن رعاية دولة إقليمية بوزن السعودية لهذا الحوار يمكن أن تمثل فرصة لمعالجة القضية الجنوبية بصورة منظمة وسلمية، ضمن إطار يحظى باعتراف إقليمي ودولي، بشرط أن يتعامل الجنوبيون معه برؤية موحدة، وأن يتحول إلى مسار جاد لا إلى أداة إضافية لتعميق الانقسام.
غير أن المجلس الانتقالي يضع، من جانبه، شروطًا سياسية وأمنية واضحة لخفض التصعيد. وقال المتحدث الرسمي باسم المجلس، أنور التميمي، إن المشكلة تبدأ من غياب قنوات التواصل المباشرة بين هيئات المجلس والجانب السعودي، ومن تعامل الرياض مع ما وصفه بـ“مسرحية حل المجلس” باعتبارها أمرًا واقعًا. ويرى التميمي أن أي تهدئة لا يمكن أن تقوم على تجاوز المجلس أو فرض ترتيبات سياسية وأمنية من خارجه.

ويتمثل الحد الأدنى المطلوب، وفق رؤية التميمي، في احترام الإرادة الجمعية للجنوبيين، ووقف إجراءات استهداف وتفكيك القوات الجنوبية، وإنهاء تمكين حزب التجمع اليمني للإصلاح من مفاصل رئيسية في الجنوب، ووقف ملاحقة القيادات الجنوبية، إضافة إلى الإقرار بأن قصف القوات الجنوبية وما تلاه من خطوات كان مسارًا كارثيًا لا يخدم أمن المنطقة ولا استقرارها.

وفي ما يتعلق بفعاليات ومظاهرات “رفض الوصاية”، يؤكد التميمي أنها لا تستهدف إعلان قطيعة مع السعودية، بل تعبّر عن واقع سياسي وشعبي متراكم في الجنوب، وترفض محاولات تزوير المشهد أو تصوير الأزمة بوصفها خلافًا محدودًا بين قيادات سياسية. فشعار “رفض الوصاية”، وفق هذا المنظور، لا يعني رفض العلاقة مع الرياض بقدر ما يعني رفض تحويل الشراكة إلى علاقة إملاء أو إدارة أحادية للقرار الجنوبي.

مخاطر غياب التهدئة


تبدو مخاطر غياب التهدئة بين المجلس الانتقالي الجنوبي والمملكة العربية السعودية أوسع من حدود الخلاف السياسي المباشر بين الطرفين. فاستمرار التصعيد، من دون قناة سياسية واضحة أو ضمانات متبادلة، قد يحوّل الجنوب إلى ساحة استنزاف مفتوحة، تتضرر منها القوى الجنوبية والسعودية معًا، بينما يستفيد منها الحوثيون والإخوان المسلمون والجماعات المتطرفة وشبكات التهريب والجريمة المنظمة.

وترى الخبيرة في القانون الدولي رشا جرهوم أن التصعيد، مهما كانت الشعارات التي يستند إليها، لا يصب في مصلحة الجنوب في هذه المرحلة، لأنه يقوض جهود بناء التكاتف الداخلي وتحقيق الحد الأدنى من الاستقرار. وتشير إلى أن المشهد الحالي يعكس حالة انقسام سياسي وعسكري وأمني، ويزيد هشاشة الوضعين الاقتصادي والخدمي، بما يجعل المواطنين يتحملون كلفة الاستقطاب بصورة مباشرة.

وتحذر جرهوم من أن استمرار هذا المسار قد يفتح فراغات أمنية تستغلها الجماعات المتطرفة، ويضعف فرص الوصول إلى تسوية سياسية شاملة، ويعقد جهود الوساطة، ويجعل ملف الجنوب أكثر صعوبة في أي مفاوضات مستقبلية. ومن وجهة نظرها، ينبغي النظر إلى الدور الأممي والإقليمي بواقعية، لأن تجارب السلام الناجحة غالبًا ما احتاجت إلى وساطات تقودها أطراف تمتلك النفوذ والقدرة على تقديم الضمانات.

وفي هذا السياق، ترى جرهوم أن الحوار الجنوبي–الجنوبي، إذا توفرت له الضمانات السياسية الكافية، يمكن أن يمثل فرصة تاريخية لا ينبغي التفريط بها. لكن هذه الفرصة، لكي لا تتحول إلى مصدر إضافي للانقسام، تحتاج إلى مقاربة أكثر توازنًا: لا تقصي المجلس الانتقالي من معادلة التمثيل، ولا تختزل الجنوب في طرف واحد، ولا تستخدم الحوار كأداة لإعادة إنتاج نفوذ خارجي على حساب الإرادة المحلية.

أما عسكريًا، فيؤكد العميد فيصل النجار أن المجلس الانتقالي لا يفكر حاليًا في مواجهة عسكرية مباشرة مع السعودية، وأنه نقل المواجهة إلى الساحات الشعبية والسياسية والإعلامية. لكنه يوضح أن امتلاك القوات لا يعني استخدامها فورًا، وأن الخيارات العسكرية تبقى مؤجلة للزمان والمكان المناسبين إذا ظهرت ظروف تفرض ذلك.

وبين ضرورات التهدئة ومخاطر استمرار التصعيد، يبقى الجنوب أمام لحظة دقيقة، فإما أن تتحول الأزمة الحالية إلى فرصة لإعادة بناء العلاقة على أسس أكثر وضوحًا وتوازنًا بين عدن والرياض، أو أن يؤدي غياب المعالجة السياسية إلى ساحة استنزاف جديدة، يدفع كلفتها الطرفان، ويستفيد منها خصومها داخل اليمن وخارجه.

عبد الله الشادلي
صحفي ومحرر لدى مركز سوث24 للأخبار والدراسات

فيديو