سياسة تركيع الجنوب وإسقاط قضيته يتحول الى شرارة تصعيد شعبي يقلب المعادلة؟

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن || عين الجنوب || خاص:
لم تعد معاناة شعب الجنوب مع تدهور الخدمات والأوضاع المعيشية مجرد أزمة عابرة أو نتيجة طبيعية للظروف الاقتصادية والسياسية التي تعصف بالمنطقة، بل باتت، في نظر قطاعات واسعة من الشارع الجنوبي، جزءاً من مشهد سياسي أشمل، تُستخدم فيه الخدمات والمرتبات والكهرباء والوقود والاقتصاد كأدوات ضغط وعقاب جماعي، بهدف إنهاك المواطن ودفعه إلى التنازل عن قضيته الوطنية ومشروعه السياسي، وقبول واقع الوصاية باعتباره الخيار الوحيد للخروج من الأزمات.
فحين تنقطع الكهرباء لساعات طويلة، وتتدهور الخدمات الأساسية، وتتراجع قيمة العملة، وترتفع الأسعار، وتتأخر المرتبات، وتتسع دائرة الفقر والبطالة، فإن المواطن لا يواجه أزمة معيشية فقط، بل يجد نفسه أمام ضغوط متراكمة تستهدف قدرته على الصمود، وتضعه بين خيارين قاسيين: إما القبول بالواقع المفروض، أو مواجهة ظروف معيشية تزداد قسوة يوماً بعد آخر.
غير أن الرهان على إنهاك شعب الجنوب يبدو، حتى٨ الآن، رهاناً خاسراً. فالتجربة التاريخية أثبتت أن الأزمات، مهما بلغت قسوتها، لا تستطيع إلغاء قضية راسخة في وجدان شعب، ولا يمكن للخدمات أن تكون بديلاً عن الحقوق، كما لا يمكن للجوع والفقر وانهيار الوضع المعيشي أن يمحوا ذاكرة شعب ظل يناضل عقوداً من أجل حقه في تقرير مصيره وبناء دولته.
لقد تحولت حرب الخدمات، بدلاً من أن تكون وسيلة لإخضاع الشارع الجنوبي، إلى عامل جديد من عوامل الغضب الشعبي. فكل أزمة معيشية باتت تُقرأ في الجنوب ضمن سياق سياسي أوسع، وكل انقطاع للكهرباء، وكل انهيار اقتصادي، وكل تأخير للمرتبات، وكل تدهور في الخدمات، يضيف وقوداً جديداً إلى حالة الاحتقان الشعبي المتصاعدة.
ومن هنا، لم يعد الشارع الجنوبي يتعامل مع هذه الأزمات باعتبارها ملفات خدمية منفصلة، بل يرى فيها جزءاً من منظومة ضغط تهدف إلى تفكيك إرادته، وإشغاله بلقمة العيش، وإبعاده عن قضيته الأساسية، وتحويل معركته الوطنية إلى مجرد مطالب يومية متفرقة.
لكن ما يغفل عنه أصحاب هذا الرهان أن الشعوب لا تتخلى عن قضاياها عندما تزداد معاناتها، بل قد تتحول المعاناة نفسها إلى وقود للنضال. فكلما ضاقت الحياة، اتسعت دائرة الغضب، وكلما شعر المواطن أن معاناته تُستخدم كسلاح سياسي ضده، ازدادت قناعته بأن الحل لا يكمن في الاستسلام، وإنما في مواجهة الأسباب التي أنتجت هذا الواقع.
وفي الجنوب، يبدو أن حالة الاحتقان لم تعد محصورة في فئة أو منطقة أو مكون سياسي، بل تتسع لتشمل قطاعات شعبية واسعة باتت ترى أن استمرار الأزمات دون حلول حقيقية يعكس غياب الإرادة السياسية لمعالجة معاناة الناس، ويطرح أسئلة كبرى حول الجهات المستفيدة من استمرار الانهيار، ومن يحاول تحويل الخدمات إلى وسيلة لإدارة الصراع السياسي.
إن أخطر ما في سياسة استخدام الخدمات كأداة للضغط هو أنها لا تنتج الاستقرار، بل تصنع انفجاراً شعبياً مؤجلاً. فالمواطن الذي يعاني من انقطاع الكهرباء وارتفاع الأسعار وانهيار العملة وتأخر المرتبات، قد يصبر لفترة، لكنه عندما يكتشف أن معاناته أصبحت جزءاً من لعبة سياسية، فإن غضبه يتحول من شكوى معيشية إلى موقف سياسي.
وهنا تحديداً تكمن خطورة المرحلة المقبلة؛ إذ إن الشارع الجنوبي لم يعد مستعداً لقبول المعادلة التي تقول إن عليه أن يتخلى عن قضيته مقابل الحصول على بعض الخدمات، أو أن يصمت عن حقوقه السياسية مقابل وعود مؤقتة، أو أن يقبل الوصاية مقابل حلول إسعافية لا تعالج جذور الأزمة.
فالجنوب، وفقاً للخطاب الشعبي المتصاعد، لا يريد أن يُدار بمنطق الإغاثة السياسية، ولا أن تكون الخدمات بديلاً عن القرار الوطني، ولا أن تتحول الأزمات إلى وسيلة لابتزاز إرادته. فالمواطن يريد الكهرباء والراتب والأمن والاستقرار، لكنه في الوقت ذاته يريد أن يكون صاحب قرار في أرضه ومستقبل وطنه، ويرفض أن يُطلب منه دفع ثمن الخدمات من حقوقه السياسية والوطنية.
وفي مواجهة هذا الواقع، يتصاعد الحراك الشعبي في الجنوب، وتتسع الدعوات إلى التعبئة الجماهيرية والتصعيد السلمي، باعتبار أن الصمت لم يعد خياراً، وأن استمرار الأزمات دون حلول حقيقية لم يعد يحتمل المزيد من الانتظار. فالمظاهرات والوقفات والاحتجاجات والمسيرات الجماهيرية لم تعد مجرد ردود فعل على أزمة خدمية، بل أصبحت رسائل سياسية واضحة بأن الشارع الجنوبي يرفض أن يكون رهينة للضغوط، أو ورقة في صراعات الآخرين، أو ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
إن هذا الحراك الشعبي المتصاعد يوجه رسالة بالغة الوضوح: لا يمكن تركيع شعب عبر قطع الكهرباء، ولا إسقاط قضية وطنية عبر تجويع الناس، ولا فرض الوصاية من خلال صناعة الأزمات. فالقضايا التي تنشأ من رحم المعاناة وتترسخ في وجدان الشعوب لا تسقط بمجرد تدهور الخدمات، بل إن سوء إدارة الأزمات قد يحولها إلى قوة دفع جديدة نحو التصعيد.
وإذا كان البعض يراهن على أن الانهيار الاقتصادي سيجعل الجنوب يتراجع عن مطالبه، فإن الوقائع على الأرض تشير إلى نتيجة مختلفة تماماً. فالمعاناة، بدلاً من أن تُسقط القضية، باتت تعيد إنتاجها في الوعي الشعبي بصورة أكثر وضوحاً، وتدفع المواطن إلى الربط بين الواقع المعيشي المتدهور وبين طبيعة المعادلات السياسية التي تحكم المشهد.
وبينما تتزايد الضغوط، يبدو أن الجنوب يدخل مرحلة جديدة عنوانها الأبرز: رفض المقايضة بين الحقوق والخدمات. فالشعب الذي يطالب بتحسين حياته لا يقبل أن يتحول ذلك إلى ذريعة لإسكات صوته، والشعب الذي يريد دولة ومؤسسات وخدمات لا يقبل أن تكون التنمية مشروطة بالتنازل عن هويته وحقه في تقرير مصيره.
إن حرب الخدمات، مهما طال أمدها، لن تستطيع كسر إرادة شعب يرى أن قضيته أكبر من أزمة كهرباء، وأعمق من أزمة راتب، وأقوى من انهيار اقتصادي مؤقت. فهذه الأزمات، على قسوتها، لن تنجح في محو الذاكرة الوطنية، ولن تُسقط المطالب السياسية، ولن تجعل الجنوب يتخلى عن حقه في رسم مستقبله.
بل إن الخطر الحقيقي يكمن في أن تتحول سياسة الضغط إلى عامل توحيد للشارع، وأن تجمع مختلف الفئات حول قناعة واحدة مفادها أن مواجهة الأزمات لا تكون بالخضوع، وإنما بتصعيد الضغط الشعبي والمطالبة بالحقوق، ورفض كل أشكال الوصاية والتبعية.
وفي نهاية المطاف، فإن المعركة لم تعد معركة خدمات فقط، بل معركة إرادة. معركة بين من يريد استخدام الأزمات لتركيع الناس، ومن يرى في الصمود الشعبي طريقاً لحماية القضية. وبينما تتواصل الضغوط، يبدو أن الشارع الجنوبي يبعث برسالة حاسمة: الخدمات حق وليست منّة، والكرامة ليست قابلة للمساومة، والقضية الوطنية ليست ورقة تفاوض، والوصاية مهما طال عمرها لا يمكن أن تكون بديلاً عن إرادة الشعوب.
وهكذا، قد تنقلب المعادلة على أصحابها؛ فبدلاً من أن تكون حرب الخدمات وسيلة لإخماد الصوت الجنوبي، قد تتحول إلى الشرارة التي تشعل موجة جديدة من التصعيد الشعبي، وتدفع الجماهير إلى الخروج بأعداد أكبر، وترفع سقف المطالب، وتعيد وضع القضية الجنوبية في قلب المشهد من جديد.
فالجنوب، كما يردد الشارع، لا يريد أن يعيش على هامش القرار، ولا أن يكون رهينة للأزمات، ولا أن يدفع ثمن صراعات الآخرين. ومن هنا فإن المرحلة القادمة قد تكون مرحلة اختبار حقيقي: فإما حلول عادلة وجادة تعيد للمواطن حقوقه وكرامته، أو استمرار في سياسة الضغط التي قد تنتج انفجاراً شعبياً واسعاً لا يمكن احتواؤه بالوعود المؤقتة.
إن سياسة تركيع الشعوب قد تؤخر الانفجار، لكنها لا تلغي الحق. وقد تُسكت الناس لبعض الوقت، لكنها لا تقتل إرادة الحرية. وفي الجنوب، يبدو أن كل أزمة جديدة لا تطفئ القضية، بل تزيد النار اشتعالاً.

فيديو