التعيينات تشق صفوف مجلس القيادة الرئاسي.. هل بدأت معركة النفوذ تهدد مستقبل الشراكة؟

تقارير - منذ 3 ساعات

عدن || عين الجنوب|| خاص:
لم تعد أزمة التعيينات الأخيرة داخل مجلس القيادة الرئاسي مجرد خلاف عابر حول توزيع المناصب أو إصدار قرارات إدارية، بل تحولت إلى واحدة من أكثر الأزمات السياسية حساسية منذ تشكيل المجلس، بعدما كشفت عن تباينات واضحة بين مكوناته، وأعادت إلى الواجهة تساؤلات واسعة بشأن طبيعة الشراكة السياسية، وآليات صناعة القرار، ومدى قدرة المجلس على الحفاظ على تماسكه في ظل التحديات المتراكمة التي تواجه البلاد.
وجاءت هذه التطورات في مرحلة دقيقة تمر بها اليمن، حيث تتداخل الأزمات الاقتصادية والإنسانية والأمنية بصورة غير مسبوقة، وهو ما جعل كثيرين ينظرون إلى الخلافات الأخيرة باعتبارها مؤشرًا على تعقيدات أعمق تتجاوز ملف التعيينات نفسه، وتمتد إلى شكل إدارة الدولة وحدود الصلاحيات داخل أعلى مؤسسة قيادية، في وقت كان الشارع ينتظر قرارات من شأنها تحسين الأداء الحكومي وتسريع وتيرة الإصلاحات، لا فتح جبهة جديدة من التجاذبات السياسية.
وقد أثارت القرارات الأخيرة المتعلقة بالتعيينات الحكومية حالة واسعة من الجدل، خصوصًا بعد أن نُفذ بعضها، بينما واجهت قرارات أخرى عراقيل أو تأجيلًا أو مراجعة، الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعة الآليات التي تُدار بها الملفات الحساسة، ومدى التزام المؤسسات بتنفيذ القرارات الصادرة، وما إذا كانت التوافقات السياسية أصبحت العامل الحاسم في إنفاذها، بما يعكس حجم التوازنات القائمة داخل المجلس.
ويرى مراقبون أن الأزمة كشفت عن وجود تباين في الرؤى بين القوى المشاركة في مجلس القيادة، وهو تباين لم يعد من السهل إخفاؤه، خاصة مع انتقاله من دوائر النقاش الداخلي إلى المجال العام، الأمر الذي ألقى بظلاله على صورة المؤسسات الرسمية، وأثار مخاوف من أن تؤثر الخلافات السياسية على كفاءة الأداء الحكومي في مرحلة تتطلب قدرًا أكبر من الانسجام وسرعة اتخاذ القرار.
وزادت استقالة وزير التخطيط والتعاون الدولي بدر باسلمة من زخم الأزمة، بعدما اعتبر في بيان استقالته أن ما يجري يستوجب مراجعة جادة لآليات إدارة الدولة، داعيًا إلى تغليب المصلحة الوطنية والحفاظ على هيبة المؤسسات. وقد قرأ كثير من المتابعين هذه الخطوة بوصفها رسالة سياسية تعكس حجم الاحتقان داخل مؤسسات الشرعية، وتلفت الانتباه إلى أن الأزمة لم تعد مرتبطة بقرار إداري منفرد، وإنما بطبيعة العلاقة بين مكونات السلطة وآلية إدارة الخلافات فيما بينها.
ويرى محللون أن مثل هذه التطورات أعادت فتح النقاش حول كيفية صناعة القرار داخل مجلس القيادة الرئاسي، وحدود الصلاحيات بين مكوناته، والجهة التي تمتلك الكلمة الأخيرة في الملفات السيادية، مؤكدين أن وضوح الصلاحيات يمثل أحد أهم عوامل نجاح أي مؤسسة قيادية، بينما يؤدي الغموض أو تضارب الاختصاصات إلى إبطاء العمل الحكومي وإرباك المؤسسات التنفيذية، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على الملفات الاقتصادية والخدمية والأمنية.
كما يعتقد متابعون أن استمرار الخلافات الداخلية يبعث برسائل مقلقة إلى الشارع اليمني، الذي ينتظر حلولًا عملية للأزمات اليومية أكثر من انشغاله بصراعات النفوذ داخل مؤسسات الدولة، إذ إن أي تعثر في اتخاذ القرار أو تنفيذ الإصلاحات قد ينعكس على مستوى الخدمات، ويزيد من حالة الإحباط لدى المواطنين الذين يواجهون ظروفًا معيشية بالغة الصعوبة.
ومنذ إنشاء مجلس القيادة الرئاسي، كان الهدف المعلن يتمثل في توحيد القوى المناهضة للحوثيين، وتجاوز الانقسامات التي أثرت على أداء مؤسسات الدولة خلال السنوات الماضية، إلا أن تكرار الخلافات حول ملفات متعددة، وفي مقدمتها ملف التعيينات، أظهر أن تحقيق هذا الهدف لا يزال يواجه تحديات حقيقية، وأن إدارة التباينات الداخلية أصبحت واحدة من أصعب الاختبارات التي يمر بها المجلس.
ويؤكد مراقبون أن نجاح أي صيغة سياسية لا يعتمد على إعلانها أو تشكيلها فحسب، وإنما على قدرتها على إدارة الخلافات ضمن إطار مؤسسي واضح، يضمن احترام القرارات وتوزيع الصلاحيات بصورة متوازنة، ويحافظ على وحدة القرار السياسي، بعيدًا عن التجاذبات التي قد تؤدي إلى إضعاف مؤسسات الدولة وتعطيل دورها.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب السياسي وحده، بل تمتد إلى مختلف القطاعات الإدارية والتنفيذية، إذ إن استمرار حالة عدم اليقين قد يؤثر في تنفيذ برامج الإصلاح، ويزيد من تعقيد الملفات الاقتصادية والخدمية، كما قد ينعكس على مستوى ثقة الشركاء الإقليميين والدوليين بقدرة مؤسسات الدولة على إدارة المرحلة بكفاءة واستقرار، خصوصًا في ظل الحاجة إلى تعزيز الأداء المؤسسي وتوحيد الجهود لمواجهة التحديات القائمة.
وفي ظل هذه المعطيات، يرى محللون أن المرحلة المقبلة تتطلب مراجعة شاملة لآليات اتخاذ القرار داخل مجلس القيادة الرئاسي، ووضع معايير واضحة تحكم إصدار وتنفيذ القرارات، بما يعزز الشفافية ويحد من تضارب الصلاحيات، ويضمن أن تعمل المؤسسات وفق قواعد مستقرة بعيدًا عن التجاذبات السياسية التي قد تؤدي إلى تكرار الأزمات.
ويذهب آخرون إلى أن أزمة التعيينات قد تشكل نقطة تحول في مسار عمل المجلس، إذا ما أفضت إلى إصلاحات مؤسسية تعزز فاعلية القرار السياسي، بينما يحذر فريق آخر من أن استمرار الخلافات دون معالجات واضحة قد يجعل كل استحقاق سياسي أو إداري جديد ساحة مفتوحة للصراع، الأمر الذي قد يفاقم حالة عدم الاستقرار داخل مؤسسات الدولة.
وفي المحصلة، تبدو أزمة التعيينات أكثر من مجرد خلاف حول المناصب، فهي تعكس اختبارًا حقيقيًا لقدرة مجلس القيادة الرئاسي على إدارة التباينات الداخلية، وترجمة الشراكة السياسية إلى عمل مؤسسي متماسك. وبين الدعوات إلى إصلاح آليات اتخاذ القرار، والحفاظ على وحدة المؤسسات، تبقى الأنظار متجهة إلى الكيفية التي سيتعامل بها المجلس مع هذه الأزمة، وما إذا كان سينجح في تحويلها إلى فرصة لتعزيز التوافق، أم أنها ستكون بداية مرحلة جديدة من التجاذبات التي قد تلقي بظلالها على مستقبل العمل السياسي والإداري في البلاد.

فيديو