باب المندب تحت النار.. هجمات الحوثيين تعيد رسم خريطة التجارة والنفط وتدفع العالم إلى طرق أطول وأكثر كلفة

تقارير - منذ ساعتان


عين الجنوب || خاص


لم تعد تداعيات الهجمات الحوثية على السفن التجارية وناقلات النفط في البحر الأحمر ومضيق باب المندب مجرد أزمة أمنية مرتبطة بالملاحة في المياه الإقليمية، بل تحولت إلى معضلة اقتصادية تتجاوز حدود اليمن والمنطقة، بعدما بدأت شركات الشحن والطاقة بإعادة حساباتها بشأن واحد من أهم الممرات البحرية التي تربط الشرق بالغرب.
ومع تصاعد المخاطر الأمنية خلال الأسابيع الأخيرة، أصبح باب المندب أمام اختبار جديد يكشف حجم الاعتماد العالمي على هذا الممر البحري، الذي يمثل حلقة وصل رئيسية بين المحيط الهندي وبحر العرب والبحر الأحمر وقناة السويس ثم البحر المتوسط وأوروبا. وأي اضطراب طويل في هذه المنطقة يعني عمليًا إعادة ترتيب مسارات السفن، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين والوقود، وتأخير وصول الشحنات إلى الأسواق العالمية.
وتكمن خطورة التطورات في أن تأثيرها لا يتوقف عند السفن التي تعبر المضيق، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله. فعندما تضطر ناقلات النفط والسفن التجارية إلى تغيير مساراتها، فإنها تقطع مسافات أطول وتستهلك كميات أكبر من الوقود، كما تحتاج إلى فترات زمنية إضافية للوصول إلى وجهاتها، وهو ما يرفع تكلفة الرحلة وينعكس في النهاية على أسعار السلع والطاقة.
ويُعد باب المندب من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، إذ يمثل الطريق البحري الأقصر بين الأسواق الآسيوية والأوروبية عبر قناة السويس. ولذلك فإن استمرار التهديدات لا يعني بالضرورة توقف تدفق النفط بصورة كاملة، لكنه يجعل عملية نقله أكثر تعقيدًا وكلفة ومخاطرة.
وتظهر خطورة المشهد بصورة أكبر عند النظر إلى حركة ناقلات النفط. فقبل أزمة البحر الأحمر كانت كميات ضخمة من النفط والمنتجات البترولية تمر عبر باب المندب يوميًا، قبل أن تتراجع حركة العبور نتيجة المخاطر الأمنية، فيما بدأت بعض الشركات في تحويل السفن إلى طرق بديلة، وعلى رأسها الطريق الطويل حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا.
وهذا التحول يحمل فاتورة اقتصادية ثقيلة؛ فالرحلة التي كانت تستغرق أيامًا أقل أصبحت تحتاج إلى أسابيع إضافية في بعض الحالات، الأمر الذي يرفع استهلاك الوقود وأجور الطواقم وتكاليف التشغيل والتأمين، فضلًا عن تكاليف الفرص الناتجة عن بقاء السفن في البحر لفترات أطول بدلًا من العودة سريعًا إلى الأسواق.
ولا تقتصر المشكلة على النفط وحده، فباب المندب يمثل جزءًا مهمًا من شبكة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية. وأي تراجع حاد في حركة الملاحة عبره يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار الشحن البحري، وزيادة تكلفة نقل الحاويات والبضائع، وتأخر وصول المواد الخام والسلع إلى الأسواق، خصوصًا في ظل اعتماد الاقتصاد العالمي على النقل البحري في الجزء الأكبر من التجارة الدولية.
وتزداد حساسية الوضع بالنسبة للدول الآسيوية المستوردة للطاقة، التي تعتمد على وصول النفط من مناطق الإنتاج في الشرق الأوسط. فكلما طالت المسافة التي تقطعها الناقلات، ارتفعت تكلفة الشحنة، وازدادت الحاجة إلى تغطيات تأمينية إضافية لمواجهة المخاطر، فضلًا عن ارتفاع كلفة تشغيل السفن.
وفي المقابل، فإن الدول المنتجة للنفط تجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيدًا؛ فهي مطالبة بضمان استمرار تدفق صادراتها، لكنها تواجه في الوقت نفسه مخاطر أمنية وتكاليف نقل متزايدة. ويصبح اختيار المسار البحري مسألة اقتصادية وأمنية في آن واحد، خصوصًا عندما تكون الناقلات محملة بشحنات ضخمة يمكن أن تجعل أي حادث أمني خسارة كبيرة للشركة والدولة والسوق المستورد.
ومن أبرز التحولات التي كشفتها الأزمة اعتماد بعض الناقلات على مسارات بديلة، سواء عبر الممرات الشمالية المرتبطة بقناة السويس أو عبر الالتفاف الكامل حول القارة الأفريقية. لكن هذه البدائل، رغم أنها توفر مستوى أعلى من الأمان في بعض الظروف، تحمل تكاليف كبيرة بسبب المسافة الإضافية وطول الرحلة.
وفي حالة الالتفاف حول أفريقيا، يمكن أن تمتد الرحلة البحرية من أقل من ثلاثة أسابيع إلى ما يزيد على شهر ونصف في بعض المسارات، وهو فارق زمني هائل بالنسبة لشركات الطاقة والتجارة. فكل يوم إضافي في البحر يعني وقودًا إضافيًا، وأجورًا إضافية، وتأمينًا أعلى، وتأخيرًا في تسليم الشحنات.
وهنا تظهر المفارقة الأكبر: فالممر البحري الذي يفترض أن يكون أقصر طريق بين الشرق والغرب يتحول، بسبب المخاطر الأمنية، إلى نقطة تدفع السفن للابتعاد عنه، ما يؤدي إلى إطالة الطرق التجارية على مستوى العالم.
كما أن ارتفاع المخاطر الأمنية يفرض ضغوطًا إضافية على شركات التأمين البحري، التي قد ترفع أقساط التأمين على السفن المتجهة إلى البحر الأحمر، خصوصًا الناقلات النفطية والسفن التي تحمل شحنات ذات قيمة عالية. ومع ارتفاع التأمين وتكاليف التشغيل، ترتفع التكلفة النهائية للسلع المنقولة بحرًا.
ولا تتوقف التداعيات عند الشركات والدول، إذ يمكن أن تصل آثار الأزمة إلى المستهلك النهائي. فالزيادة في تكلفة نقل النفط قد تنعكس على أسعار الوقود، كما أن ارتفاع تكاليف الشحن قد ينتقل تدريجيًا إلى أسعار المنتجات والمواد الغذائية والسلع الصناعية، خصوصًا إذا استمرت الأزمة لفترة طويلة.
وتكشف التطورات الأخيرة أن معركة باب المندب لم تعد مرتبطة بممر مائي محدود المساحة، بل أصبحت جزءًا من صراع أوسع على أمن خطوط التجارة والطاقة. فالمضيق، بحكم موقعه الجغرافي، يستطيع أن يمنح من يملك القدرة على تهديد الملاحة ورقة ضغط تتجاوز حدود السواحل اليمنية، وتصل آثارها إلى الأسواق العالمية.
ومع استمرار التهديدات، يبدو أن العالم أمام معادلة صعبة: إما تحمل مخاطر العبور في منطقة مضطربة، أو دفع تكلفة المسارات البديلة. وفي الحالتين هناك فاتورة اقتصادية؛ الأولى تتمثل في ارتفاع مخاطر التأمين واحتمالات التعرض للهجمات، والثانية في زيادة المسافات واستهلاك الوقود وتأخر الشحنات.
وبذلك يتحول باب المندب تدريجيًا من مجرد ممر بحري استراتيجي إلى واحدة من أهم نقاط اختبار أمن الاقتصاد العالمي. فكلما ارتفع مستوى التهديد، ازدادت احتمالات ابتعاد السفن عنه، وكلما طال أمد هذا الابتعاد، ازدادت كلفة التجارة والطاقة على الدول والشركات والمستهلكين.
والأخطر أن استمرار الاضطراب قد يدفع شركات الملاحة إلى إعادة النظر بصورة طويلة الأمد في خرائطها التشغيلية، بحيث لا تعود العودة إلى باب المندب مرتبطة فقط بانتهاء الهجمات، بل بمدى اقتناع شركات التأمين والملاحة بأن مستوى المخاطر أصبح مقبولًا من الناحية الاقتصادية والأمنية.
وفي النهاية، فإن ما يحدث في باب المندب يؤكد أن الجغرافيا البحرية لليمن تمنح المنطقة أهمية تتجاوز حدودها السياسية. فالمضيق ليس مجرد ممر ملاحي أمام السواحل اليمنية، وإنما بوابة رئيسية للتجارة والطاقة بين قارات عدة، وأي اضطراب مستمر فيه يمكن أن يتحول إلى أزمة دولية تتسع آثارها كلما طال أمدها.
لقد أثبتت التطورات أن تهديد الملاحة في باب المندب لا يحتاج إلى إغلاق المضيق بالكامل حتى يحقق أثره؛ فمجرد رفع مستوى المخاطر يكفي لدفع السفن إلى تغيير مساراتها، وتحميل التجارة العالمية كلفة إضافية، وإعادة رسم طرق النفط والسلع بين الشرق والغرب. وهذه هي المفارقة التي تجعل باب المندب اليوم في قلب الحسابات الاقتصادية والأمنية العالمية: المضيق قد يبقى مفتوحًا جغرافيًا، لكنه يصبح مكلفًا اقتصاديًا إلى درجة تدفع العالم للبحث عن طريق آخر.

فيديو