لماذا فشل مشروع السعودية في الجنوب؟ من محاولة صناعة واقع سياسي جديد إلى الاصطدام بإرادة الشارع وتعقيدات الجغرافيا الجنوبية

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب|| خاص:
لم يكن تعثر المشروع السعودي في الجنوب مجرد نتيجة لحدث سياسي عابر، أو انعكاساً لخلاف مؤقت بين أطراف متنافسة، بل جاء نتيجة تراكمات سياسية وميدانية واجتماعية كشفت، على مدى سنوات، صعوبة إدارة الملف الجنوبي من خارج معادلاته المحلية، وصعوبة بناء ترتيبات سياسية وأمنية مستقرة لا تحظى بتوافق واسع بين القوى والمجتمعات الجنوبية.
دخلت السعودية إلى الملف اليمني انطلاقاً من حسابات تتصل بأمنها القومي وحماية حدودها وممراتها الاستراتيجية، ومواجهة التهديدات القادمة من اليمن، إلا أن الجنوب تحول مع مرور الوقت إلى واحد من أكثر الملفات تعقيداً أمام السياسة السعودية، خصوصاً مع تنامي الحضور السياسي والعسكري للمجلس الانتقالي الجنوب العربي واستمرار المطالب المرتبطة بالقضية الجنوبية.
ومع تطور الأحداث، بدا واضحاً أن النفوذ السياسي والقدرات العسكرية والدعم المالي لا تكفي وحدها لصناعة واقع سياسي جديد، عندما تصطدم هذه الأدوات بقضية تمتلك جذوراً اجتماعية وسياسية عميقة، وبمجتمعات محلية ذات خصوصيات متعددة ومواقف متباينة.
الجنوب ليس كتلة سياسية واحدة
من أبرز التحديات التي واجهت أي مشروع خارجي في الجنوب أن هذه المنطقة ليست كتلة سياسية أو اجتماعية واحدة يمكن إدارتها بقرار مركزي. فعدن وحضرموت وشبوة والمهرة وسقطرى والضالع وأبين وغيرها من المناطق تمتلك خصوصياتها وتوازناتها المحلية، الأمر الذي يجعل التعامل معها من خلال رؤية واحدة أمراً شديد التعقيد.
وفي الوقت ذاته، ظل مطلب استعادة دولة الجنوب حاضراً بقوة في الخطاب السياسي والحراك الشعبي الجنوبي، ما جعل أي محاولة لإعادة إنتاج صيغة سياسية تتجاوز هذه القضية تواجه سؤالاً أساسياً: كيف يمكن بناء استقرار دائم من دون معالجة أصل الخلاف المتعلق بشكل الدولة ومستقبل الجنوب؟
وهنا ظهرت الفجوة بين الحسابات الإقليمية والواقع المحلي؛ إذ إن ما قد يبدو من منظور إقليمي ترتيباً سياسياً قابلاً للتنفيذ، قد يُنظر إليه محلياً باعتباره محاولة لتجاوز قضية جوهرية لا يمكن تأجيلها إلى أجل غير مسمى.
الرهان على الترتيبات السياسية لم يحسم القضية
كان تشكيل مجلس القيادة الرئاسي عام 2022 محاولة لجمع القوى المناهضة للحوثيين ضمن إطار سياسي واحد، وشارك المجلس الانتقالي الجنوبي في هذه الصيغة، لكن دخول القوى الجنوبية إلى مؤسسات السلطة لم يؤدِّ تلقائياً إلى إنهاء المطالب المتعلقة بمستقبل الجنوب.
وبقي السؤال الأهم مطروحاً: هل المشاركة في مؤسسات السلطة تعني التخلي عن مشروع استعادة الدولة، أم أنها وسيلة لإدارة مرحلة سياسية مؤقتة؟
هذا التناقض ظل حاضراً في المشهد، وأصبح أكثر وضوحاً مع تصاعد الخلافات السياسية والعسكرية حول مستقبل الجنوب، الأمر الذي كشف أن دمج الأطراف في مؤسسة سياسية واحدة لا يعني بالضرورة إنهاء الخلافات الجوهرية بينها.
المال لا يصنع بالضرورة الولاء السياسي
من أكثر النقاط إثارة للنقاش في تقييم السياسة السعودية تجاه الجنوب، الرهان على أن الدعم المالي والمشروعات التنموية يمكن أن يساهما في تغيير المواقف السياسية أو تخفيف المطالب الوطنية.
ولا شك أن التنمية وتحسين الخدمات ودعم الاقتصاد تمثل احتياجات حقيقية للمواطنين، لكن هذه الملفات لا تستطيع بمفردها الإجابة عن أسئلة تتعلق بالهوية السياسية وشكل الدولة ومستقبل الجنوب.
فالمواطن الجنوبي يمكن أن يطالب في الوقت نفسه بتحسين الكهرباء والرواتب والخدمات، وأن يتمسك بموقف سياسي يتعلق بمستقبل الجنوب. وهنا تكمن المشكلة في محاولة الفصل بين المطالب المعيشية والمطالب السياسية، وكأن تحسين الخدمات يمكن أن يكون بديلاً عن معالجة جذور القضية.
لحظة الاختبار الكبرى
دخلت الأزمة مرحلة أكثر حساسية مع التطورات العسكرية والسياسية التي شهدها الجنوب خلال أواخر عام 2025 وبداية عام 2026، عندما توسع نفوذ المجلس الانتقالي في عدد من المناطق، قبل أن تتدخل السعودية سياسياً وعسكرياً لدعم القوات الحكومية في مواجهة ذلك التوسع.
وبغض النظر عن تقييم أطراف الصراع لهذه التطورات، فإن النتيجة الأبرز كانت ظهور حقيقة سياسية مهمة: السيطرة العسكرية على الأرض لا تعني بالضرورة إنهاء القضية التي تقف خلف الصراع.
فقد تتغير موازين القوى خلال أيام، وقد تنتقل السيطرة على المدن والمناطق من طرف إلى آخر، لكن القضايا السياسية والاجتماعية التي صنعت الصراع يمكن أن تبقى لسنوات طويلة.
ومن هنا، فإن أي تسوية تعتمد بصورة أساسية على فرض الأمر الواقع قد تحقق مكاسب ميدانية مؤقتة، لكنها لا تضمن بالضرورة استقراراً سياسياً دائماً.
العامل الإماراتي والمنافسة داخل المعسكر الواحد
لا يمكن فهم مسار السياسة السعودية في الجنوب بمعزل عن الدور الإماراتي، الذي أصبح أحد العوامل المؤثرة في المشهد اليمني خلال السنوات الماضية.
ففي الوقت الذي دعمت فيه الإمارات المجلس الانتقالي وقوى جنوبية مختلفة، ركزت السعودية بصورة أكبر على الحفاظ على إطار الدولة اليمنية المعترف بها دولياً، وهو ما خلق تباينات داخل المعسكر المناهض للحوثيين نفسه.
ومع اتساع التنافس حول النفوذ، لم يعد الصراع محصوراً في مواجهة الحوثيين والحكومة، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بمستقبل النظام السياسي والأمني في الجنوب، وبالسؤال حول الجهة التي ستملك القرار والنفوذ في مرحلة ما بعد الحرب.
وهكذا تحولت الساحة الجنوبية إلى مساحة تتقاطع فيها الحسابات المحلية مع المصالح الإقليمية، الأمر الذي جعل الوصول إلى تسوية نهائية أكثر صعوبة.
المشكلة الأعمق: الجنوب لا يريد أن يكون مجرد ورقة
ربما تكمن إحدى أبرز نقاط الضعف في أي مشروع خارجي في الجنوب في التعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها مجرد ورقة يمكن استخدامها في التفاوض الإقليمي أو اليمني.
فالجنوب، بالنسبة للقوى والمجتمعات التي تتمسك بقضيته، ليس مجرد مساحة جغرافية ذات أهمية استراتيجية، بل قضية سياسية مرتبطة بتاريخ طويل من الصراعات والتحولات، وبأسئلة تتعلق بالهوية والسلطة ومستقبل الدولة.
ولهذا، فإن أي مشروع يسعى إلى تحقيق الاستقرار في الجنوب يحتاج إلى التعامل مع الجنوبيين باعتبارهم طرفاً سياسياً أصيلاً له مطالبه ومصالحه، وليس مجرد قوة يمكن احتواؤها بالمناصب أو الدعم المالي أو الترتيبات الأمنية.
لماذا تعود الأزمة كل مرة؟
تكشف التطورات المتلاحقة خلال عام 2026 أن الملف الجنوبي لم يُغلق بمجرد التغييرات السياسية والعسكرية التي شهدتها البلاد، وأن الاحتجاجات والتحركات السياسية والمطالب الجنوبية ما زالت حاضرة في عدد من المناطق.
وهذا يعني أن المشكلة لا تكمن فقط في وجود طرف سياسي محدد، بل في استمرار السؤال الأكبر: ما هو مستقبل الجنوب؟
كما أن استمرار التهديد الحوثي يزيد من تعقيد الحسابات السعودية؛ فالمملكة مطالبة بحماية أمنها ومواجهة المخاطر القادمة من اليمن، لكنها في الوقت ذاته تواجه واقعاً جنوبياً لا يمكن تجاهله أو اختزاله في إطار أمني ضيق.
ومن هنا، فإن استمرار الصراع على النفوذ في الجنوب بالتزامن مع استمرار التهديد الحوثي يجعل الرياض أمام معادلة شديدة التعقيد: كيف تحمي مصالحها الأمنية من دون أن يتحول تدخلها في الجنوب إلى عامل إضافي لتوسيع دائرة الرفض السياسي؟
الخلاصة: من إدارة الجنوب إلى الحوار مع الجنوب
إذا جاز وصف ما جرى بأنه تعثر أو فشل للمشروع السعودي في الجنوب، فإن ذلك لا يعني بالضرورة فشل السعودية في جميع أهدافها داخل اليمن، لكنه يكشف بوضوح حدود القدرة على فرض تسوية سياسية مستقرة من الخارج.
فالجنوب أظهر أن الجغرافيا وحدها لا تصنع النفوذ، وأن المال لا يشتري بالضرورة القناعة السياسية، وأن القوة العسكرية تستطيع تغيير موازين السيطرة، لكنها لا تستطيع وحدها إنهاء قضية ذات جذور سياسية واجتماعية عميقة.
وفي نهاية المطاف، تبدو المعادلة أكثر وضوحاً: أي مشروع يتجاهل السؤال الجنوبي سيظل عرضة للتعثر، وأي محاولة لتجاوز الإرادة المحلية بالقوة أو النفوذ قد تؤدي إلى تأجيل الأزمة بدلاً من حلها.
ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام السعودية لا يكمن فقط في إدارة المشهد أو إعادة ترتيب موازين القوى، بل في الانتقال من سياسة إدارة الجنوب إلى سياسة الحوار مع الجنوب، والبحث عن تسوية سياسية تستوعب تطلعات القوى والمجتمعات الجنوبية، بدلاً من محاولة إعادة تشكيل الواقع من الخارج.
فاستقرار الجنوب، في نهاية المطاف، لن يتحقق بمجرد السيطرة على الأرض، وإنما بمعالجة الأسئلة السياسية التي جعلت هذه الأرض ساحة مفتوحة للصراع طوال سنوات.

فيديو