لماذا يجب ألا تُستدرج القوى الجنوبية إلى حروب الشمال؟ معركة الجنوب ليست وقودًا لصراعات لم تحسم قضاياه

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب|| خاص:
لم تعد مسألة مشاركة القوى الجنوبية في الحروب الدائرة في شمال اليمن مجرد قرار عسكري أو موقف سياسي عابر، بل أصبحت قضية ترتبط مباشرة بمستقبل الجنوب، وبطبيعة المشروع الذي تناضل من أجله قواه السياسية والعسكرية، وبالأسئلة الكبرى المتعلقة بالأمن والقرار والسيادة وتحديد الأولويات. فكلما اندلعت معركة في الشمال، عاد السؤال نفسه إلى الواجهة: هل ينبغي للقوى الجنوبية أن تدفع بأبنائها إلى ساحات قتال بعيدة عن أرضهم وقضيتهم، أم أن الأولوية يجب أن تكون لحماية الجنوب وترسيخ أمنه والدفاع عن مصالحه؟
إن الإجابة على هذا السؤال لا تعني تجاهل الخطر القادم من الشمال، ولا تعني التخلي عن أي جهد يهدف إلى مواجهة جماعة الحوثي أو أي تهديد يطال اليمن والمنطقة، لكنها تعني قبل كل شيء إعادة تعريف الأولويات وفق حسابات سياسية وعسكرية واضحة. فالجنوب، الذي عانى عقودًا من الصراعات والحروب، لا يستطيع أن يتعامل مع كل معركة على أنها معركته، ولا يمكن أن يستمر في تقديم أبنائه وقودًا لصراعات لا تضمن له في نهايتها اعترافًا واضحًا بقضيته أو حماية حقيقية لمصالحه.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن القوى الجنوبية كثيرًا ما دخلت معارك خارج حدود جغرافيتها، وقدمت تضحيات كبيرة، بينما ظلت القضية الجنوبية نفسها معلقة على طاولة التسويات السياسية. وسقط مقاتلون جنوبيون في ساحات مختلفة، وتكبدت الوحدات العسكرية خسائر بشرية ومادية، لكن السؤال الذي بقي حاضرًا بعد كل معركة هو: ماذا حصل الجنوب في المقابل؟ وهل تحولت تلك التضحيات إلى مكاسب سياسية أو ضمانات حقيقية لمستقبله؟
المشكلة ليست في مواجهة الخطر بحد ذاته، وإنما في غياب تعريف واضح للهدف النهائي. فالجيوش والقوات العسكرية لا تتحرك فقط من أجل القتال، بل من أجل تحقيق أهداف سياسية وأمنية محددة. وإذا لم يكن واضحًا ما الذي ستكسبه القوى الجنوبية من دخولها حربًا جديدة في الشمال، فمن الصعب تبرير إرسال آلاف المقاتلين بعيدًا عن مناطقهم، خصوصًا في ظل احتياجات أمنية واقتصادية وسياسية متراكمة داخل الجنوب نفسه.
كما أن استنزاف القوات الجنوبية في جبهات الشمال يحمل مخاطر استراتيجية لا يمكن تجاهلها. فكل قوة عسكرية لديها حدود لقدرتها البشرية واللوجستية، وكل معركة طويلة تستنزف السلاح والكوادر والخبرات، وتفتح في الوقت ذاته مساحات أمنية جديدة يمكن أن تستغلها جماعات مسلحة أو أطراف أخرى. ولذلك فإن الحفاظ على القوة العسكرية الجنوبية، وعدم استنزافها في معارك مفتوحة بلا أفق سياسي واضح، يمكن أن يكون بحد ذاته قرارًا استراتيجيًا.
ومن الخطأ أيضًا اختزال القضية في شعار "القتال ضد الحوثيين"، لأن مواجهة الحوثيين ليست هدفًا عسكريًا فقط، بل هي جزء من معادلة سياسية إقليمية ودولية معقدة. وإذا دخلت القوى الجنوبية أي معركة، فيجب أن تدخلها وفق رؤية سياسية واضحة، لا باعتبارها قوة احتياطية يمكن استدعاؤها كلما احتاجت الأطراف الأخرى إلى مقاتلين على الأرض.
لقد كشفت السنوات الماضية أن أطرافًا سياسية متعددة تمتلك أجنداتها الخاصة، وقد تتفق مؤقتًا مع القوى الجنوبية في مواجهة خصم مشترك، لكنها قد تختلف معها جذريًا عندما يتعلق الأمر بمستقبل الجنوب وشكل الدولة وتقاسم النفوذ والثروة والقرار. ومن هنا فإن التحالف العسكري لا يعني بالضرورة تطابق المشاريع السياسية، وهذه حقيقة ينبغي أن تكون حاضرة في كل قرار يتعلق بمشاركة القوات الجنوبية في أي حرب جديدة.
الجنوب يحتاج اليوم إلى بناء قوة عسكرية وأمنية أكثر تنظيمًا، وإلى حماية مدنه وموانئه وموارده وممراته البحرية، وإلى تثبيت الأمن والاستقرار في مناطقه، وإلى معالجة ملفات الخدمات والاقتصاد والرواتب،بالضغط على السلطات لتحقيق ذلك بدل الدخول في دوامة استنزاف جديدة قد تمتد لسنوات دون نتيجة سياسية واضحة.
وهذا لا يعني أن الجنوب يجب أن يتحول إلى جزيرة معزولة عن محيطه. على العكس، يمكن للقوى الجنوبية أن تكون طرفًا فاعلًا في أي ترتيبات إقليمية لمواجهة التهديدات التي تمس أمن المنطقة، لكن المشاركة ينبغي أن تكون وفق شروط واضحة، وفي مقدمتها وضوح الهدف، وضمان المصالح الجنوبية، وعدم تحويل القوات الجنوبية إلى قوة مقاتلة بالوكالة عن أطراف أخرى.
فالقرار العسكري الذي لا يرافقه قرار سياسي واضح قد يتحول إلى عبء على أصحابه. والتاريخ لا يقيس فقط عدد المعارك التي خاضتها القوات، وإنما يقيس أيضًا ما نتج عنها من تحولات سياسية واستراتيجية. ولذلك فإن التضحية يجب ألا تكون غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق أهداف يعرفها المقاتل والسياسي والمجتمع.
إن أبناء الجنوب ليسوا أقل استعدادًا للتضحية من أي طرف آخر، وقد أثبتوا ذلك في ساحات عديدة، لكن الشجاعة لا تعني الذهاب إلى كل معركة، والحكمة لا تعني الخوف من الحرب. أحيانًا يكون أقوى قرار عسكري هو رفض الدخول في حرب لا تخدم الهدف السياسي، وأحيانًا تكون المحافظة على القوة وتركيزها داخل مناطقها أكثر أهمية من تحقيق انتصار تكتيكي بعيد لا يغير المعادلة السياسية.
ومن زاوية أخرى، فإن مشاركة القوى الجنوبية في حروب الشمال دون ضمانات سياسية قد تمنح خصوم القضية الجنوبية فرصة لإعادة إنتاج خطاب قديم يصور الجنوب باعتباره مجرد طرف عسكري في الصراع اليمني، بينما تسعى القوى الجنوبية إلى تثبيت قضية سياسية ذات جذور تاريخية وجغرافية وشعبية. ولذلك فإن الحفاظ على استقلالية القرار السياسي والعسكري يصبح مسألة جوهرية لا يمكن التعامل معها باعتبارها تفصيلًا ثانويًا.
المطلوب إذن ليس الانسحاب من أي جهد لمواجهة المخاطر المشتركة، وإنما وضع قواعد جديدة للمشاركة. فإذا كانت هناك معركة تمس أمن الجنوب بصورة مباشرة، فالدفاع عنها يصبح أولوية. وإذا كان هناك تهديد للممرات البحرية أو المدن أو الحدود الجنوبية، فإن مواجهته تدخل في صميم الأمن الجنوبي. أما نقل القوات الجنوبية إلى ساحات بعيدة لتكون عرضه للمكر والغدر والخداع الشمالي الذي اثبتته الوقاىع عبر التاريخ ولمجرد سد فراغ عسكري أو تحقيق أهداف أطراف أخرى، تعيش في فنادق سبعه نجوم وتريد من الجنوبيين تحرير ارضها فهذا يحتاج إلى مراجعة دقيقة وحسابات مختلفة.
فالجنوب الذي يريد أن يقرر مستقبله لا يستطيع أن يسمح باستنزاف قوته العسكرية في حروب لا يعرف أين تبدأ وأين تنتهي. وكل شهيد يسقط بعيدًا عن أرضه يجب أن يفرض سؤالًا سياسيًا قبل السؤال العسكري: من أجل ماذا سقط؟ وما الذي تحقق بعد سقوطه؟ وهل أصبحت القضية التي ضحى من أجلها أقرب إلى الحل أم أن الحرب أضافت إليها طبقة جديدة من التعقيدات؟
وفي نهاية المطاف، فإن معركة الجنوب الحقيقية ليست في عدد الجبهات التي يمكن أن يفتحها، وإنما في قدرته على الحفاظ على قوته، وحماية أرضه، وتوحيد قراره، وبناء مؤسساته، وانتزاع موقع سياسي واضح في أي تسوية قادمة. أما الدخول في حروب الآخرين دون رؤية واضحة، فقد يمنح الجنوب انتصارات ميدانية مؤقتة، لكنه قد يحرمه من أهم شيء: امتلاك قرار الحرب والسلام ومستقبل القضية.
لهذا فإن رفض استنزاف القوى الجنوبية في حروب الشمال لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تخليًا عن مواجهة التهديدات، بل باعتباره دعوة إلى عقلنة القرار العسكري وربطه بالمصلحة الجنوبية. فالقوة التي تعرف متى تقاتل، وأين تقاتل، ولماذا تقاتل، تكون أكثر تأثيرًا من قوة تُستنزف في معارك متواصلة لا تملك تحديد نهايتها.
وفي زمن تتغير فيه التحالفات وتتبدل فيه الحسابات، يبقى الدرس الأهم هو أن الشعوب لا تحمي مستقبلها بكثرة الحروب فقط، وإنما بحسن اختيار المعارك. والجنوب، بعد سنوات طويلة من النزيف، ربما يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أن يطرح السؤال الأصعب: هل كل حرب تستحق أن يكون أبناؤه وقودًا لها؟وفي الختام فان في حال تحررت صنعاء فلن تقوم للجنوب قاىمه لاسباب يعرفها الجميع

فيديو