حضرموت وثروتها المنهوبة.. حين يتحول النفط من نعمة لأهل الأرض إلى وقود لصراع الثروة والقرار

تقارير - منذ 6 ساعات

عين الجنوب ||خاص                 


ليست حضرموت مجرد محافظة واسعة تتربع على مساحة شاسعة تقع في الشرق الجنوبي ولا مجرد رقعة جغرافية تختزن النفط والغاز والمعادن، بل أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أكثر ساحات الصراع حساسية، لأن المعركة فيها لم تعد تدور حول من يملك النفوذ السياسي فقط، وإنما حول سؤال أكثر عمقًا: من يملك الثروة، ومن يقرر كيف تُدار، وأين تذهب عائداتها؟
في حضرموت تبدو المفارقة صارخة؛ أرض غنية بالموارد، وسكان يشكون من تراجع الخدمات وتدهور الكهرباء والبنية التحتية. وتشير دراسات اقتصادية إلى أن المحافظة تنتج نسبة كبيرة من النفط ، بينما ظل الجدل قائمًا منذ سنوات حول حجم ما يعود إليها من عائدات مواردها.
وهنا تحديدًا تبدأ قصة الصراع.
فالنفط الحضرمي لم يعد مجرد مورد اقتصادي، بل تحول إلى ورقة سياسية وأمنية شديدة الحساسية. وكلما عاد الحديث عن استئناف تصدير النفط، عاد معه السؤال القديم الجديد: هل ستذهب العائدات إلى المركز كما جرت العادة، أم ستحصل حضرموت على نصيب عادل يمكّنها من معالجة أزماتها وتحسين حياة سكانها؟
هذا السؤال ليس وليد اللحظة. فقد شهدت حضرموت منذ سنوات مطالبات بالحصول على حصة أكبر من عائدات النفط، ووصلت المطالب في مراحل سابقة إلى المطالبة باحتفاظ المحافظة بنسبة من الإيرادات النفطية لتمويل التنمية المحلية. كما أُبرم عام 2017 اتفاق يتعلق باحتفاظ السلطة المحلية بحصة من عائدات النفط لأغراض التنمية، لكن استمرار أزمات الكهرباء والخدمات أظهر أن امتلاك الموارد لا يعني بالضرورة امتلاك القرار الاقتصادي.
وفي يوليو 2026 عاد ملف النفط إلى الواجهة مع الحديث عن ترتيبات استئناف التصدير بعد توقف طويل، لتجد حضرموت نفسها أمام اختبار جديد: هل يكون النفط بداية لإنقاذ الاقتصاد، أم بداية لمعركة جديدة حول حقوق المحافظة وحصتها وآلية إدارة مواردها؟
المشكلة أن الصراع لا يتعلق بالأموال وحدها. فالثروة تعني النفوذ، والنفوذ يعني القدرة على صناعة القرار. ومن يسيطر على الموارد يمتلك جزءًا كبيرًا من أدوات التأثير السياسي، ولذلك يصبح النفط في بيئة مضطربة مثل الجنوب و اليمن عموما أكثر من سلعة اقتصادية؛ يصبح وسيلة لبناء التحالفات، وتمويل المؤسسات، وتعزيز النفوذ، وربط القرار المحلي بالمركز أو القوى الخارجية.
وهذا ما يجعل حضرموت أمام معادلة شديدة التعقيد: ثروة تحت الأرض، وصراع فوق الأرض.
فإذا كانت المحافظة تنتج النفط، فمن الطبيعي أن يطالب أبناؤها بأن يروا أثر تلك الثروة في حياتهم اليومية. وليس من المنطقي أن تبقى الحقول النفطية مصدرًا للإيرادات بينما يعاني المواطن من الكهرباء والمياه والطرقات والخدمات الأساسية. وقد وثقت دراسات بحثية سابقة شعورًا واسعًا بالاستياء من عدم إعادة استثمار الثروة النفطية بصورة عادلة داخل المحافظة، فضلًا عن المخاوف البيئية الناتجة عن عمليات استخراج النفط.
لكن القضية الأهم تتجاوز المطالبة بحصة مالية. إنها تتعلق بحق حضرموت في أن تكون طرفًا أساسيًا في تحديد مستقبل مواردها، وفي صياغة القرار المتعلق بها، وفي معرفة حجم الإيرادات التي تنتجها ثرواتها، وكيف تُصرف، ومن يملك صلاحية تحديد أولويات الإنفاق.
فالثروة من دون شفافية تتحول إلى باب للشك، والموارد من دون رقابة تتحول إلى مصدر للصراع، والقرار من دون مشاركة محلية يصبح وقودًا لمزيد من الاحتقان.
ومن هنا يمكن فهم لماذا أصبحت حضرموت نقطة جذب لمختلف القوى. فالمحافظة لا تمتلك النفط فقط، بل تمتلك موقعًا جغرافيًا استراتيجيًا وموانئ ومساحات واسعة وثروات معدنية ومصالح اقتصادية متعددة. ولذلك فإن الصراع حولها لا يمكن اختزاله في خلاف إداري بين سلطة محلية وحكومة مركزية، بل يرتبط بصورة أوسع بمستقبل توزيع القوة والثروة في البلد
الأرقام نفسها تكشف حجم أهمية الملف. فقد أشارت بيانات منشورة إلى أن إيرادات القطاعات النفطية في حضرموت خلال الفترة 2018-2020 بلغت مليارات الدولارات، بينما تؤكد مصادر بحثية أن المحافظة كانت تمثل أحد أهم مصادر الإيرادات في اليمن.
ومع توقف الصادرات النفطية منذ أواخر 2022، ازدادت أهمية إعادة تشغيل القطاع بالنسبة للحكومة اليمنية، التي خسرت موردًا أساسيًا من موارد النقد الأجنبي. لكن إعادة التصدير وحدها لن تنهي المشكلة، لأن السؤال الأكثر حساسية سيظل قائمًا: من يدير العائدات؟ وكيف توزع؟ وما نصيب حضرموت منها؟
وهنا تكمن خطورة المرحلة المقبلة.
فإذا جرى التعامل مع النفط باعتباره مجرد مورد يجب ضخه إلى خزينة مركزية، من دون معالجة جذور الخلاف حول حقوق المحافظة، فإن إعادة التصدير قد لا تكون نهاية الأزمة، بل بداية جولة جديدة من الصراع.
أما إذا جرى التعامل مع الثروة باعتبارها أساسًا للتنمية والاستقرار، مع شفافية واضحة في الإيرادات، وضمان حصة عادلة للمحافظة، ورقابة حقيقية على الإنفاق، وإشراك أبناء حضرموت في القرار المتعلق بمواردهم، فإن النفط يمكن أن يتحول من وقود للصراع إلى رافعة للاستقرار.
حضرموت اليوم لا تسأل فقط: أين تذهب ثروتنا؟
بل تسأل سؤالًا أعمق: من يملك القرار بشأن ثروتنا؟
وهذا هو جوهر المعركة الحقيقية. فالصراع على حضرموت ليس صراعًا على آبار النفط وحدها، وإنما صراع على نموذج الدولة نفسها: دولة مركزية تحتكر الموارد والقرار، أم نظام يمنح المناطق المنتجة للثروة مساحة أكبر في إدارة مواردها وتحديد أولوياتها التنموية؟
وبينما تتصارع القوى السياسية على النفوذ، يبقى المواطن الحضرمي هو الطرف الذي ينتظر الإجابة في حياته اليومية: كهرباء مستقرة، طرق أفضل، خدمات صحية وتعليمية، وفرص عمل، وتنمية تتناسب مع حجم الثروة التي تخرج من أرضه.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن تجاهل سؤال الثروة لا يؤدي إلى اختفائه، بل يجعله أكثر إلحاحًا. وكلما زادت الفجوة بين حجم الموارد وحجم التنمية، أصبح النفط عنوانًا للاحتجاج والصراع السياسي بدل أن يكون عنوانًا للرخاء.
لذلك فإن مستقبل حضرموت لن يُحسم فقط بمن يسيطر على الحقول أو الموانئ، بل بمن يستطيع بناء معادلة عادلة بين الثروة والقرار والتنمية.
فالثروة التي لا تنعكس على أهل الأرض تتحول إلى نقمة، والقرار الذي يُصنع بعيدًا عن أصحاب المصلحة يولد الرفض، أما حين تلتقي الثروة بالشفافية والقرار بالتنمية، فإن حضرموت تستطيع أن تتحول من ساحة صراع على الموارد إلى نموذج لإدارة ثرواتها بما يخدم أهلها ومستقبلها.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل تكون ثروة حضرموت بداية لعقد جديد من العدالة والتنمية، أم تستمر آبار النفط في إنتاج الثروة بينما يظل الصراع الحقيقي فوق الأرض: صراعًا على من يملك المال ومن يملك القرار؟

فيديو