يوم الجيش الجنوبي.. من ذاكرة الدولة إلى ملامح بناء الحاضر

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن ، عين الجنوب ||خاص              

في الأول من سبتمبر من كل عام، يستعيد الجنوب واحدة من أكثر محطاته حضورًا في الذاكرة السياسية والعسكرية؛ يوم الجيش الجنوبي، المناسبة التي تحولت من ذكرى عسكرية إلى محطة تستحضر فيها أجيال متعاقبة تاريخ مؤسسة ارتبط وجودها بمفهوم الدولة والسيادة والانضباط العسكري، ثم تعرضت لهزة كبرى بعد حرب عام 1994، قبل أن تعود القوات الجنوبية إلى واجهة المشهد خلال السنوات الأخيرة.
ولا تقتصر أهمية المناسبة على استعراض الماضي، فالأول من سبتمبر أصبح مناسبة لطرح سؤال أكبر: هل تمكن الجنوب من إعادة بناء مؤسسة عسكرية قادرة على تجاوز آثار الانقسام والحروب، أم أن الطريق إلى جيش جنوبي موحد ما يزال طويلًا؟
وتشير مصادر جنوبية إلى أن الأول من سبتمبر ارتبط بتأسيس المؤسسة العسكرية الجنوبية الحديثة وافتتاح الكلية العسكرية في منطقة صلاح الدين بالعاصمة عدن، فيما توجد في المصادر المحلية اختلافات بشأن سنة التأسيس الدقيقة؛ إذ تذكر مصادر أنها تعود إلى عام 1971، بينما تصف مصادر أخرى المناسبة باعتبارها ذكرى تأسيس تعود إلى عام 1970. لذلك فإن توثيق المناسبة يقتضي الإشارة إلى هذا الاختلاف بدل التعامل معه باعتباره حقيقة محسومة.
وبعيدًا عن الجدل الزمني حول سنة التأسيس، فإن الثابت أن المؤسسة العسكرية في الجنوب أصبحت خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي إحدى المؤسسات الرئيسية في بنية الدولة الجنوبية، وامتلكت تشكيلات برية وجوية وبحرية، إلى جانب مؤسسات للتدريب والتأهيل العسكري. وتذكر مواد منشورة عن تاريخ الجيش الجنوبي أن الكلية العسكرية في صلاح الدين مثّلت إحدى أهم مؤسسات إعداد الضباط والكوادر العسكرية.
كان الجيش بالنسبة إلى الدولة الجنوبية السابقة أكثر من مجرد قوة مسلحة؛ فقد ارتبط بمفهوم الدولة ذاتها، وبحماية حدودها ومؤسساتها، وبناء منظومة عسكرية تعتمد على التدريب والتأهيل والانضباط. وتستعيد المصادر الجنوبية اليوم هذه المرحلة باعتبارها جزءًا من الذاكرة الوطنية والعسكرية التي لا تزال حاضرة بقوة في الوعي الجنوبي.
غير أن هذه المؤسسة دخلت مرحلة مختلفة جذريًا بعد إعلان الوحدة اليمنية عام 1990، ثم انفجار الحرب في صيف 1994. ومع انتهاء الحرب، تعرضت قطاعات واسعة من المؤسسة العسكرية الجنوبية للتفكيك والتهميش والإقصاء، بحسب مصادر جنوبية عديدة، كما جرى تسريح أعداد كبيرة من العسكريين وإحالة كوادر إلى التقاعد أو إبعادهم عن مواقعهم. وتصف مصادر جنوبية تلك المرحلة بأنها كانت نقطة التحول الكبرى التي أنهت عمليًا وجود الجيش الجنوبي بصورته السابقة.
ولسنوات طويلة، ظل ملف العسكريين الجنوبيين واحدًا من الملفات الأكثر حساسية في المشهد السياسي والاجتماعي. ولم تكن القضية مرتبطة بالرواتب أو الحقوق الوظيفية فقط، بل تجاوزتها إلى سؤال أوسع حول مصير مؤسسة عسكرية كاملة فقدت بنيتها ومواقعها وامتيازاتها بعد الحرب.
وتكشف أرشيفات صحفية جنوبية أن العسكريين الجنوبيين السابقين نظموا في سنوات لاحقة اعتصامات واحتجاجات للمطالبة بحقوقهم، بما في ذلك الرواتب والتسويات القانونية، وهو ما جعل قضية الجيش جزءًا من الحراك السياسي والاجتماعي في الجنوب.
ثم جاءت حرب عام 2015 لتفتح صفحة جديدة في التاريخ العسكري الجنوبي.
فمع سقوط صنعاء وسيطرة الحوثيين على مؤسسات الدولة، ثم امتداد الحرب إلى المحافظات الجنوبية، ظهرت تشكيلات عسكرية وأمنية جنوبية جديدة كان لها حضور بارز في معارك الدفاع عن عدن ومحافظات جنوبية أخرى. ومنذ ذلك الوقت بدأت عملية إعادة تشكيل منظومة عسكرية جنوبية مختلفة عن المؤسسة التي كانت قائمة قبل عام 1994.
وتربط مصادر جنوبية هذه المرحلة ببروز المقاومة الجنوبية، ثم انتقالها تدريجيًا إلى تشكيلات عسكرية أكثر تنظيمًا، معتبرة أن تلك القوات مثلت النواة التي أعادت الحضور العسكري الجنوبي إلى الميدان.
وتقول مصادر جنوبية إن عملية بناء القوات المسلحة الجنوبية خلال السنوات الماضية اتجهت نحو التدريب والتأهيل وإعادة التنظيم، وإنها أصبحت تضم تشكيلات متعددة تعمل في عدد من مناطق الجنوب. كما تضع هذه المصادر عملية البناء العسكري ضمن مشروع سياسي أوسع يستهدف استعادة مؤسسات الدولة الجنوبية.
لكن قراءة المشهد بصورة مهنية تفرض التمييز بين الجيش الجنوبي التاريخي الذي كان مؤسسة رسمية لدولة قائمة قبل الوحدة، وبين القوات الجنوبية الحالية التي تشكلت في ظروف الحرب والصراع اليمني المعاصر. فالتشابه في الهوية والرمزية والتاريخ الذي تؤكده مصادر جنوبية لا يعني بالضرورة التطابق المؤسسي والقانوني بين التجربتين.
وهنا تكمن إحدى أهم قضايا يوم الجيش الجنوبي اليوم: هل يمكن الانتقال من تشكيلات عسكرية متعددة إلى مؤسسة عسكرية موحدة ذات هيكل واضح، وسلسلة قيادة واحدة، ونظام مالي وإداري ثابت، ومعايير موحدة للتجنيد والترقية والتدريب؟
ذلك هو التحدي الحقيقي الذي يتجاوز الاحتفال والرمزية.
فالجيش القوي لا يقاس فقط بعدد الأفراد أو حجم السلاح، وإنما بقدرته على العمل وفق مؤسسات وقوانين واضحة، وبوجود قيادة موحدة، ونظام تدريب احترافي، وانضباط مالي وإداري، وقدرة على حماية السكان والمنشآت والحدود، بعيدًا عن التجاذبات السياسية والمناطقية.
ومن هذه الزاوية، فإن ذكرى الأول من سبتمبر يمكن أن تتحول من مناسبة لاستعادة أمجاد الماضي إلى مناسبة لمراجعة الحاضر أيضًا.
فالجنوب الذي يتحدث عن استعادة مؤسساته يحتاج، وفق هذا المنظور، إلى مؤسسة عسكرية تعكس مفهوم الدولة الحديثة: جيش منظم، مهني، منضبط، يخضع للقانون، ويحظى بحقوق منتسبيه، ويضمن عدم تكرار المآسي التي عاشها العسكريون الجنوبيون طوال العقود الماضية.
وتشير التغطيات الصحفية خلال ذكرى الجيش الجنوبي في عام 2025 إلى أن المناسبة لم تعد مجرد استذكار تاريخي؛ فقد شهدت فعاليات وتصريحات سياسية وإعلامية ركزت على تاريخ الجيش، وتضحيات منتسبيه، ومسألة إعادة بناء القوات الجنوبية. كما أعلنت نقابة الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين في الأول من سبتمبر 2025 تهنئتها للجيش الجنوبي بهذه المناسبة، ووصفتها بأنها يوم وطني.
وفي المقابل، فإن الاحتفال بذكرى الجيش يعيد إلى الواجهة قضية آلاف العسكريين السابقين الذين ينتظرون معالجة ملفاتهم بصورة عادلة. فبناء المستقبل لا يعني محو الماضي، كما أن تأسيس قوات جديدة لا ينبغي أن يلغي حقوق من خدموا في المؤسسة العسكرية الجنوبية السابقة.
ولهذا فإن يوم الجيش الجنوبي يحمل في داخله مفارقة تاريخية كبيرة: جيش كان عنوانًا للدولة، ثم تحول إلى ضحية للحرب، ثم عادت فكرة القوات الجنوبية إلى الميدان من بوابة حرب جديدة.
وبين المرحلتين تتراكم عقود من الصراعات.
لقد كان عام 1994 نقطة انهيار للمؤسسة العسكرية الجنوبية السابقة، بينما شكل عام 2015 نقطة انطلاق لمرحلة عسكرية جديدة في الجنوب. وبين التاريخين تغيرت الأجيال، وتبدلت التحالفات، وتغيرت طبيعة الحرب، لكن بقي سؤال الجيش حاضرًا باعتباره أحد أكثر الأسئلة ارتباطًا بمستقبل الجنوب.
وفي الذكرى الجديدة، لا يبدو السؤال الحقيقي هو: هل عاد الجيش الجنوبي؟
بل السؤال الأكثر عمقًا هو: أي جيش يريد الجنوب أن يبني؟
جيشًا يستعيد ذاكرة مؤسسة تاريخية؟ أم جيشًا حديثًا يتجاوز أخطاء الماضي ويؤسس لمؤسسة وطنية جديدة؟ أم مزيجًا بين الذاكرة التاريخية ومتطلبات الدولة الحديثة؟
الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير مستقبل المؤسسة العسكرية الجنوبية.
فالجنوب يمتلك ذاكرة عسكرية عميقة، ويحتفظ بأسماء ضباط وقادة وشهداء وتجارب عسكرية شكلت جزءًا من تاريخه السياسي. لكنه في الوقت ذاته يواجه واقعًا جديدًا لا يمكن إدارته بعقلية الماضي وحدها. فالحروب الحديثة تتطلب مؤسسات أكثر احترافًا، وأنظمة قيادة واتصال، وتدريبًا مستمرًا، وانضباطًا ماليًا، وعقيدة عسكرية واضحة، وقبل ذلك كله قرارًا سياسيًا موحدًا.
ولهذا فإن يوم الجيش الجنوبي ليس مجرد مناسبة لرفع الرايات واستعادة الصور القديمة، بل يمكن أن يكون محطة لمراجعة مسيرة نصف قرن وأكثر، من تأسيس المؤسسة العسكرية الحديثة، إلى سنوات القوة، ثم حرب 1994، مرورًا بسنوات الإقصاء والتقاعد القسري والاحتجاجات الحقوقية، وصولًا إلى ظهور القوات الجنوبية مجددًا في ساحات الحرب منذ 2015.
إنها قصة مؤسسة عسكرية تغيرت مرتين على الأقل: مرة بفعل حرب 1994، ومرة بفعل حرب 2015.
وبين الانهيار وإعادة البناء، بقي الجندي الجنوبي هو الحلقة الأكثر حضورًا في هذه القصة؛ فهو الذي حمل السلاح في ظروف مختلفة، وهو الذي دفع الثمن في ساحات القتال، وهو الذي ظل ينتظر حقوقه في أوقات السلم والحرب.
ومن هنا، فإن تخليد شهداء الجيش وتكريم العسكريين السابقين والحاليين، وتحسين أوضاع القوات، وتوحيد هياكلها، وتطوير مؤسسات التدريب والتأهيل، يجب أن تكون جزءًا من أي رؤية جدية لمستقبل المؤسسة العسكرية في الجنوب.
فالجيش الذي يريد أن يكون عماد دولة لا يمكن أن يقوم على الذاكرة وحدها، كما أن الدولة التي تريد أن تكون مستقرة لا تستطيع الاستغناء عن مؤسسة عسكرية مهنية.
وفي النهاية، يبقى الأول من سبتمبر يومًا تختلط فيه الذاكرة بالحاضر والمستقبل؛ يوم يستحضر فيه الجنوبيون تاريخ مؤسسة عسكرية يقولون إنها كانت يومًا من أبرز مؤسسات الدولة الجنوبية، ويتطلعون في الوقت نفسه إلى بناء مؤسسة جديدة تستطيع التعامل مع تعقيدات المرحلة.
وهكذا يتحول يوم الجيش الجنوبي من ذكرى تأسيس إلى سؤال مصيري: هل يستطيع الجنوب أن يحول القوة العسكرية الموجودة على الأرض إلى مؤسسة دولة مكتملة الأركان؟
ذلك هو الاختبار الأصعب.
فالتاريخ يمنح الذكرى معناها، والشهداء يمنحونها قدسيتها، لكن المؤسسات وحدها هي التي تمنح الجيش مستقبله.

فيديو