فك الارتباط.. هل أصبح حل الدولتين هو المخرج الأخير لإنقاذ اليمن والمنطقة من حرب بلا نهاية

تقارير - منذ 3 ساعات

عدن ، عين الجنوب || خاص                
لم يعد الحديث عن مستقبل اليمن مجرد نقاش حول شكل الدولة أو توزيع المناصب والثروة، بل أصبح سؤالاً مصيرياً يرتبط مباشرة بأمن الإقليم ومستقبل البحر الأحمر وباب المندب. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على قيام الوحدة اليمنية عام 1990، تبدو البلاد أمام واقع سياسي وجغرافي مختلف تماماً عن ذلك الذي نشأت فيه الوحدة، بينما لا تزال القضية الجنوبية حاضرة بقوة باعتبارها واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في الأزمة اليمنية. وقد أعادت التطورات السياسية والعسكرية الأخيرة مسألة فك الارتباط إلى واجهة النقاش، وسط تصاعد المطالب الجنوبية بإعادة صياغة العلاقة بين الشمال والجنوب.
الفكرة التي كانت تُقدَّم لسنوات باعتبارها "انفصالاً" أو تهديداً لوحدة اليمن، باتت لدى قطاع من الجنوبيين تُطرح باعتبارها مشروعاً لإعادة تنظيم العلاقة السياسية بين كيانين عاشا تجربة وحدة لم تنجح في إنتاج دولة مستقرة ومتساوية. ومن هذه الزاوية، فإن السؤال لم يعد: هل يمكن فرض الوحدة؟ بل أصبح: هل يمكن بناء السلام في اليمن من دون معالجة جذور الخلاف بين الشمال والجنوب؟
فالوحدة التي قامت في 22 مايو/أيار 1990 كانت في بدايتها مشروعاً سياسياً طوعياً بين دولتين كانتا قائمتين قبلها، الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. غير أن حرب 1994 أحدثت تحولاً جذرياً في مسار العلاقة، ومنذ ذلك الحين تراكمت ملفات سياسية واقتصادية وعسكرية واجتماعية غذّت الشعور الجنوبي بأن صيغة الوحدة التي قامت عام 1990 لم تعد قادرة على الاستمرار بالشكل نفسه.
وهنا تظهر إحدى أهم المفارقات اليمنية: كلما جرى تجاهل القضية الجنوبية، عادت إلى الواجهة بصورة أكثر حدة، وكلما جرى التعامل معها باعتبارها مجرد ملف أمني، ازدادت صعوبة احتوائها سياسياً. ولذلك فإن استمرار البحث عن حل عسكري أو إداري لقضية ذات جذور سياسية وتاريخية قد يؤدي إلى تأجيل الأزمة، لكنه لا يضمن إنهاءها.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى خيار فك الارتباط ليس باعتباره نهاية اليمن، وإنما باعتباره أحد السيناريوهات السياسية المطروحة لإعادة تعريف الدولة اليمنية. فبدلاً من دولة واحدة متنازعة على السلطة والثروة والهوية والجغرافيا، قد يكون من الممكن الانتقال إلى صيغة دولتين متجاورتين تربطهما اتفاقات اقتصادية وأمنية وسياسية، مع ضمان المصالح المشتركة وحماية الحدود وحرية التجارة والملاحة.
هذا الطرح، بطبيعة الحال، ليس حلاً سحرياً، ولا يعني أن قيام دولتين سيؤدي تلقائياً إلى القطيعه كما أن أي مشروع سياسي جديد يحتاج إلى توافق جنوبي واسع، وإلى معالجة قضايا الحدود والثروة والموارد والموانئ والديون والجيش والأمن وحقوق المواطنين في الشمال والجنوب. وتشير تحليلات حديثة إلى أن الحركة الجنوبية نفسها تضم رؤى متعددة، بعضها يطالب بالاستقلال الكامل وبعضها يقبل بصيغ سياسية أخرى.لكنها ضئيله والعالبيه العضمى الطالب بفك الارتباط
لكن المشكلة الأكبر تكمن في استمرار الاعتقاد بأن بالإمكان إعادة اليمن إلى صيغة ما قبل الحرب بمجرد إعادة ترتيب المؤسسات في صنعاء أو عدن. فاليمن الذي دخل الوحدة عام 1990 ليس هو اليمن الذي يعيش أزماته اليوم. فقد تغيرت موازين القوى، وظهرت سلطات أمر واقع، وتفككت مؤسسات الدولة، وتعمقت الانقسامات الاجتماعية والسياسية، وأصبح لكل منطقة تقريباً تصور مختلف عن مستقبل البلاد.
وفي الشمال، يفرض الحوثيون واقعاً سياسياً وعسكرياً مختلفاً، بينما يعيش الجنوب صراعاً متشابكاً حول شكل الدولة ومستقبلها. وبين الطرفين تتوزع قوى سياسية وعسكرية متعددة، الأمر الذي جعل مفهوم "الدولة اليمنية الواحدة" أكثر تعقيداً من مجرد الاعتراف الدستوري بها.
الأخطر أن استمرار هذا الوضع لا يهدد اليمن وحده. فالموقع الجغرافي لليمن يجعل أزمته مرتبطة مباشرة بأمن البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب وحركة التجارة العالمية. وكلما طال الصراع الداخلي، بقيت الجغرافيا اليمنية مفتوحة أمام التدخلات الإقليمية والدولية، وتحول الصراع المحلي إلى ورقة تستخدمها قوى متعددة لتحقيق مصالح تتجاوز حدود اليمن.
وفي هذا السياق، فإن معالجة القضية الجنوبية بصورة سياسية قد تكون جزءاً من معالجة أوسع للأزمة الإقليمية. فوجود دولتين مستقرتين، إذا تم الوصول إليهما عبر اتفاق سياسي وضمانات دولية وإقليمية، قد يكون أقل كلفة من استمرار دولة واحدة منقسمة تخوض مكوناتُها صراعاً مفتوحاً على السلطة والثروة.
لكن الوصول إلى هذه النتيجة يحتاج إلى شرط أساسي: أن يكون فك الارتباط، إن اختاره اليمنيون، نتيجة تفاوض واستفتاء وترتيبات قانونية واضحة، وليس نتيجة حرب جديدة أو فرض أمر واقع بالقوة. فالمشكلة ليست في اسم الدولة وحده، وإنما في الطريقة التي ستولد بها الدولة الجديدة.
ومن هنا تأتي أهمية الحوار الجنوبي الشامل والحوار اليمني الأوسع. الأمم المتحدة نفسها أكدت أن قضية الجنوب معقدة ومتجذرة وأن معالجتها تعود في النهاية إلى اليمنيين بمختلف مكوناتهم ورؤاهم، وهو ما يعني أن مستقبل الجنوب لا يمكن حسمه بالقوة العسكرية وحدها.
وقد أثبتت السنوات الماضية أن تجاهل المطالب السياسية لا يؤدي بالضرورة إلى اختفائها. بل قد يؤدي إلى انتقالها من الاحتجاج السياسي إلى الصراع العسكري. ولذلك فإن منح القضية الجنوبية مساراً سياسياً واضحاً قد يكون أقل تكلفة بكثير من تركها تتطور داخل ساحات الصراع.
أما إقليمياً، فإن أي تسوية حقيقية في اليمن يجب أن تراعي مصالح الدول المجاورة، وفي مقدمتها السعودية، وكذلك مصالح الدول المطلة على البحر الأحمر. فالدولة الجنوبية المستقرة يمكن أن تتحول، من وجهة نظر مؤيدي هذا الطرح، من مصدر قلق إلى شريك في حماية خطوط الملاحة ومكافحة التهريب والإرهاب وتأمين السواحل، شرط أن تكون التسوية قائمة على ضمانات متبادلة لا على سياسة المحاور.
وفي المقابل، فإن بقاء اليمن موحداً بالقوة لن يكون بالضرورة ضمانة للاستقرار. فالوحدة السياسية لا تصبح قيمة مستقرة إذا تحولت إلى سبب دائم للصراع. والدولة الواحدة التي لا تستطيع مكوناتها الاتفاق على شكل السلطة وتوزيع الثروة والحقوق قد تكون أكثر هشاشة من دولتين تتفقان على قواعد واضحة للتعايش وحسن الجوار.
وهنا يصبح السؤال الأكثر واقعية: ماذا لو كان الاعتراف بالتعدد السياسي والجغرافي هو الطريق الأقصر للحفاظ على ما يمكن الحفاظ عليه من علاقات اليمنيين؟
فبدلاً من استمرار الحرب حول من يسيطر على صنعاء، ومن يسيطر على عدن، ومن يمتلك النفط والموانئ والحدود، يمكن الانتقال إلى مفاوضات تبحث في صيغة جديدة: دولتان، أو اتحاد دولتين، أو كونفدرالية، أو أي نموذج يتفق عليه مؤقتا الشماليون والجنوبيون قبل فم الارتباط عبر عملية سياسية حقيقية.
المهم ألا تتحول "الوحدة" إلى شعار يُستخدم لمنع النقاش، كما لا ينبغي أن يتحول "الاستقلال" إلى شعار يُستخدم لتجاوز إرادة بقية الجنوبيين أو الشماليين. المطلوب هو أن تصبح إرادة السكان هي أساس أي حل.
ومن الناحية الاقتصادية، فإن نجاح أي تسوية سيتوقف على إنشاء علاقة تعاون بين الشمال والجنوب بدلاً من تحويل الحدود الجديدة إلى خطوط مواجهة. فالموانئ والطرق والتجارة والطاقة والمياه والموارد يمكن أن تكون أدوات للتعاون بدلاً من أن تتحول إلى أسباب لحرب جديدة.
كما أن ملف حضرموت سيكون من أكثر الملفات حساسية في أي تسوية مستقبلية، نظراً إلى موقعها وثرواتها ومساحتها وموانئها. ولذلك فإن أي مشروع لدولة جنوبية يحتاج إلى ضمان مشاركة أبناء حضرموت والمهرة وشبوة وأبين ولحج وعدن وسقطرى وغيرها في صياغة مستقبل الجنوب، بعيداً عن فكرة المركز الواحد أو الهيمنة الداخلية.
أما الشمال، فلا يمكن تركه أمام فراغ سياسي. فإذا اختار الجنوب طريق فك الارتباط، فإن المجتمع الدولي والإقليم سيكونان أمام مسؤولية دعم تسوية سياسية تنهي الحرب وتمنع تحول شمال اليمن إلى ساحة صراع مفتوح بين القوى المحلية والإقليمية.
وهنا قد تكمن المفارقة الكبرى: ربما لا يكون الخلاف الحقيقي بين "الوحدة" و"الانفصال"، بل بين استمرار الحرب واستمرار الدولة الهشة من جهة، وبين البحث عن صيغة سياسية جديدة قادرة على إنهاء الصراع من جهة أخرى.
فك الارتباط، إذا تم بطريقة سلمية ومدروسة، يمكن أن يكون بداية لإعادة بناء العلاقات اليمنية على أساس جديد، وليس بالضرورة إعلاناً للحرب بين الشمال والجنوب. ويمكن لدولتين متجاورتين أن تكونا أكثر تعاوناً من دولة واحدة تعيش منذ عقود على وقع الصراع.
لكن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر السلاح، ولا عبر الإقصاء، ولا عبر فرض الخرائط بالقوة. الطريق يبدأ باعتراف سياسي بأن الأزمة موجودة، ثم حوار شامل، ثم ضمانات دولية وإقليمية، ثم آلية واضحة لتقرير المصير، ثم اتفاق على الملفات الاقتصادية والأمنية والحدودية.
وفي النهاية، قد يكون السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يواجهه اليمنيون والمجتمع الإقليمي والدولي هو: هل الهدف هو الحفاظ على اسم "اليمن الواحد" مهما كانت كلفة الصراع، أم بناء يمن آمن ومستقر حتى لو تطلب ذلك إعادة تعريف شكل الدولة؟
فالسلام لا يقاس بعدد الخرائط التي تبقى موحدة على الورق، وإنما بعدد الحروب التي تتوقف على الأرض.
وإذا كان مشروع الوحدة قد تحول، بعد عقود من الصراعات والانقسامات، إلى نقطة خلاف دائمة، فإن إعادة النظر في صيغة العلاقة بين الشمال والجنوب ليست بالضرورة هزيمة سياسية، بل قد تكون محاولة لإنقاذ ما تبقى من الدولة والمجتمع والمنطقة من دورة جديدة من الحروب.
وربما يكون "حل الدولتين" في اليمن، إذا اختاره اليمنيون بحرية ووضعوا له ضمانات عادلة، ليس نهاية الحكاية اليمنية، بل بداية فصل جديد عنوانه: دولتان تتعايشان، وشعبان يتعاونان، وحدود لا تتحول إلى جبهات، وباب المندب يصبح بوابة للتجارة والسلام بدلاً من أن يبقى نقطة اشتعال إقليمية.
وهذا تحديداً هو الاختبار الحقيقي: ليس هل تستطيع القوى المختلفة فرض الوحدة أو الانفصال، وإنما هل تستطيع صناعة تسوية تجعل السلام أقوى من الصراع، والإرادة الشعبية أقوى من السلاح، ومستقبل اليمنيين أهم من حسابات القوى الإقليمية.

فيديو