المولد النبوي في جغرافيا الحوثي.. موسم للجباية والتعبئة والتجنيد..!

تقارير - منذ ساعتان

عدن || عين الجنوب || خاص:
في المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين في اليمن، لم تعد الاستعدادات لذكرى المولد النبوي تقتصر على مظاهر دينية أو اجتماعية عفوية، بل تحولت المناسبة، وفق تقارير وشهادات محلية متداولة، إلى موسم واسع للتعبئة والحشد والجباية، تتداخل فيه الدعاية السياسية مع الضغوط المالية والتعبئة العسكرية. وتشهد صنعاء ومحافظات أخرى حملات مبكرة لتزيين الشوارع والمباني باللون الأخضر وإقامة الفعاليات والأمسيات، بينما تتحدث تقارير حديثة عن فرض مبالغ على التجار والسكان والمؤسسات وتمويل الزينات والأنشطة المرتبطة بالمناسبة.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: هل أصبح المولد النبوي في مناطق سيطرة الحوثيين مناسبة دينية فحسب، أم تحول إلى أداة متعددة الاستخدامات؛ لجمع الأموال، وتعزيز النفوذ، وحشد الجمهور، ورفد معسكرات التدريب والجبهات بمقاتلين جدد؟
التقارير المنشورة خلال أغسطس 2026 تشير إلى أن الجماعة كثفت منذ مطلع الشهر فعالياتها المرتبطة بالمولد في المساجد والمدارس والمؤسسات والمديريات، وأن بعض الخطابات المصاحبة لهذه الفعاليات تتجاوز الجانب الديني إلى الدعوة للتعبئة والالتحاق بالجبهات. كما تحدثت مصادر إعلامية عن محاولات لاستقطاب مشاركين في الفعاليات إلى معسكرات التعبئة والتدريب، مع تقديم وعود بالرواتب أو الوظائف أو المساعدات لأسر من ينضمون إلى صفوف الجماعة.
ولا تقف المسألة عند حدود الحشد البشري؛ فالجانب المالي أصبح جزءاً أساسياً من المشهد. فمنذ سنوات، تناولت تقارير يمنية ودولية ظاهرة فرض مبالغ على الأسر وأصحاب المحال والشركات تحت عنوان تمويل احتفالات المولد. وفي عام 2024، ذكرت تقارير أن حملات التحصيل شملت قطاعات تجارية ومؤسسات مختلفة، فيما تحدثت مصادر عن مبالغ ضخمة جرى تحصيلها من شركات ومصانع ومؤسسات تعليمية وصحية.
أما في 2026، فقد عادت القضية إلى الواجهة بصورة أكثر وضوحاً مع تقارير محلية تتحدث عن جبايات مرتبطة بتكاليف الزينة والاحتفالات، بما في ذلك أرقام متداولة تصل إلى مليارات الريالات في بعض المناطق. غير أن هذه الأرقام تحتاج إلى تدقيق مستقل قبل التعامل معها كحصيلة نهائية، خصوصاً في ظل غياب كشف مالي رسمي وشفاف يوضح حجم الأموال التي جُمعت فعلياً وكيف جرى إنفاقها.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى: في بلد يعاني فيه الموظفون من انقطاع أو تأخر الرواتب، وتعيش فيه الأسر تحت ضغط الأسعار وتدهور الخدمات، تصبح مطالبة المواطن بدفع أموال إضافية لتمويل مظاهر احتفالية مثاراً واسعاً للتساؤلات. فالمواطن الذي يبحث عن راتبه، وعن الغاز والكهرباء والمياه والدواء، يجد نفسه أمام مطالب مالية جديدة باسم مناسبة دينية.
وقد وثقت تقارير سابقة أساليب مختلفة للتحصيل، من توزيع سندات أو قسائم مالية إلى مطالبة أصحاب الأعمال بمبالغ متفاوتة، فيما تحدثت تقارير أخرى عن ربط بعض الخدمات أو السلع بالمشاركة في التبرعات. كما ذكرت تقارير صحفية حالات اعتقال أو تضييق على أشخاص رفضوا دفع مبالغ فرضت عليهم في سياق الاستعدادات للمولد.
واللافت أن هذا الواقع يتناقض مع تصريحات سابقة لقيادة الحوثيين نفسها؛ ففي عام 2024 أعلن عبدالملك الحوثي رفضه للجباية الإجبارية تحت عنوان تمويل المولد، وقال إن أي جباية قسرية مخالفة. غير أن استمرار التقارير عن فرض مبالغ على التجار والسكان يفتح الباب أمام سؤال واضح: إذا كانت الجباية ممنوعة رسمياً، فمن الذي يجمع الأموال؟ ومن يراقبها؟ وأين تذهب؟
القضية لا تتعلق إذن بالزينة الخضراء وحدها، ولا بحجم الاحتفالات أو عدد المشاركين فيها، وإنما بنموذج كامل من إدارة المجتمع عبر المناسبات العامة. فكلما اتسعت الفعاليات، اتسعت معها شبكات التعبئة والتنظيم والتحصيل، وتحولت المناسبة إلى مساحة لإظهار القوة والسيطرة وقياس درجة الولاء.
والأخطر أن المدارس والمؤسسات التعليمية لا تبدو بعيدة عن هذا المسار. فقد ظهرت خلال أغسطس 2026 تقارير عن تعميمات حوثية على المدارس الأهلية وإلزام مدرسين بالمشاركة في دورات ذات طابع عسكري، في وقت تتزايد فيه الأنشطة المرتبطة بالمولد.
وهنا يصبح السؤال المتعلق بالأطفال أكثر إلحاحاً: كيف يمكن أن تتحول مناسبة دينية يفترض أن تكون مجالاً للوعي والسيرة والقيم إلى بوابة للتعبئة العسكرية؟ وهل يتحول الطفل الذي يدخل المدرسة أو يحضر فعالية دينية إلى هدف للاستقطاب والتلقين السياسي والعسكري؟
لقد وثقت تقارير دولية ومحلية على مدى سنوات مشكلة تجنيد الأطفال في اليمن، مع تحميل جماعة الحوثيين مسؤولية جانب كبير من هذه الانتهاكات. ولذلك فإن أي تقارير عن استغلال الفعاليات العامة والمدارس والمناسبات الدينية في عمليات الاستقطاب يجب أن تُعامل باعتبارها قضية تتجاوز الخلاف السياسي إلى ملف يتعلق بحماية الأطفال ومستقبل المجتمع.
وفي صنعاء تحديداً، تبدو الصورة أكثر رمزية. المدينة التي كانت عاصمة الجمهورية ومركزاً للحياة السياسية والثقافية اليمنية، تتحول في موسم المولد إلى فضاء واسع للشعارات واللافتات الخضراء ومكبرات الصوت والفعاليات المنظمة. ومن وجهة نظر منتقدي الجماعة، لا يتعلق الأمر بمجرد احتفال، بل بمحاولة إعادة تشكيل المجال العام وفق رؤية سياسية وأيديولوجية واحدة.
ومن هنا يأتي عنوان "صنعاء.. من الجمهورية إلى الولاية والخرافة" بوصفه تعبيراً سياسياً عن مخاوف خصوم الحوثيين من توظيف المناسبات الدينية لإعادة تعريف الدولة والمجتمع والسلطة. لكنه في الوقت ذاته توصيف سياسي لا ينبغي التعامل معه كحقيقة تاريخية محايدة، لأن توصيف مشروع الجماعة ومعتقداتها يحتاج إلى فصل واضح بين الوقائع الموثقة والاتهامات السياسية.
أما الحديث عن مبلغ 150 مليوناً باسم المولد، فينبغي التعامل معه بحذر. فهناك تقارير سابقة وحديثة تتحدث عن مبالغ ضخمة جرى تحصيلها من القطاع التجاري تحت مسميات مرتبطة بالمناسبة، لكن الرقم المحدد يحتاج إلى مصدر مالي مستقل أو وثائق رسمية تثبته قبل تقديمه باعتباره حصيلة نهائية.
ومع ذلك، فإن غياب الشفافية هو بحد ذاته جوهر المشكلة. فإذا كانت الأموال تجمع من المواطنين والتجار باسم مناسبة عامة، فمن حق المجتمع أن يعرف حجمها ومصادرها وأوجه إنفاقها. هل ذهبت فعلاً إلى الإنارة والزينة وتنظيم الفعاليات؟ أم دخل جزء منها في تمويل أجهزة الجماعة وشبكاتها التنظيمية؟ أم استُخدم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في عمليات التعبئة العسكرية؟ هذه أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالأرقام المتداولة وحدها، بل تحتاج إلى سجلات مالية ووثائق قابلة للتحقق.
المولد، في جوهره، مناسبة دينية لها مكانتها لدى قطاعات واسعة من المسلمين، لكن الخلاف اليمني الراهن لا يدور حول المناسبة نفسها بقدر ما يدور حول طريقة توظيفها سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. وعندما يصبح المواطن مطالباً بالدفع، والموظف مطالباً بالمشاركة، والتاجر مطالباً بالتمويل، والطالب مطالباً بالحضور، والشاب هدفاً للاستقطاب، فإن المناسبة تتحول من فضاء اجتماعي اختياري إلى منظومة تعبئة واسعة.
وهنا تتضح الإجابة عن سؤال: لماذا يدفع اليمنيون ثمن احتفالات الحوثيين؟
لأن الجماعة، وفق ما تورده تقارير متعددة، لا تتعامل مع المناسبة باعتبارها حدثاً ليوم واحد، وإنما باعتبارها حملة تمتد لأسابيع، وتحتاج إلى تمويل وتنظيم وحشد إعلامي وبشري. ولذلك تُحمّل تكاليفها على المجتمع الواقع تحت سلطتها، في وقت يعاني فيه هذا المجتمع أصلاً من أزمات اقتصادية ومعيشية قاسية.
ويبقى السؤال الأكبر الذي يتجاوز موسم المولد نفسه: ماذا يحدث عندما تتحول المناسبات الدينية إلى أدوات للسيطرة السياسية؟
الجواب أن الخط الفاصل بين الدين والسياسة والجباية والتعبئة يبدأ بالاختفاء. يصبح اللون الأخضر جزءاً من المشهد السياسي، والمنصة الدينية مساحة للتعبئة، والتبرع وسيلة للضغط، والاحتفال اختباراً للولاء، بينما يتحمل المواطن التكلفة من دخله المحدود.
وفي نهاية المطاف، لا تكمن المشكلة في أن اليمنيين يحتفلون بالمولد أو يختلفون حول طريقة إحيائه، وإنما في أن تتحول أي مناسبة دينية إلى وسيلة لإجبار الناس على الدفع أو الحضور أو التعبئة أو الانخراط في مشروع عسكري. فالدين لا يحتاج إلى الإكراه كي يكون حاضراً في حياة الناس، والمناسبة الدينية لا ينبغي أن تتحول إلى فاتورة إجبارية، ولا إلى بوابة لاستقطاب الأطفال والشباب نحو ساحات الحرب.
وهكذا، خلف الأضواء الخضراء واللافتات والاحتفالات الضخمة، يبقى السؤال الحقيقي معلقاً في شوارع صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين: كم دفع اليمنيون هذا العام باسم المولد؟ ومن يملك كشف الحساب؟ وإلى أين تذهب الأموال؟ وهل ينتهي الاحتفال بانتهاء المناسبة، أم تبدأ بعده دورة جديدة من الجباية والتعبئة والتجنيد؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى شفافية ووثائق ومساءلة مستقلة؛ لأن أموال اليمنيين، أياً كان مصدرها، ليست ملكاً لجماعة أو قيادة، ومستقبل أطفال اليمن لا ينبغي أن يكون وقوداً لأي حرب أو مشروع سياسي.

فيديو