واشنطن ترفع سقف المواجهة مع طهران.. «حرب اقتصادية» أمريكية لإسقاط النظام الإيراني وعزل غير مسبوق

تقارير - منذ ساعتان

عدن|| عين الجنوب||خاص:
دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة تتجاوز الضغوط السياسية والعسكرية التقليدية، بعدما أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوجه نحو فرض ما وصفته بـ«أشد عملية اقتصادية على الإطلاق» ضد طهران، في خطوة تحمل رسائل واضحة بشأن رغبة واشنطن في خنق الاقتصاد الإيراني ودفع النظام إلى تغيير سلوكه، فيما ذهب وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إلى حد الحديث صراحة عن إسقاط النظام الإيراني عبر الضغط الاقتصادي.
وقال بيسنت، في تصريحات لشبكة «سي إن بي سي»، إن إدارة ترامب تستعد للإعلان عن إجراءات تفصيلية جديدة تجاه إيران، مؤكداً أن واشنطن تعتزم استخدام العقوبات الاقتصادية بصورة غير مسبوقة. وأضاف أن الهدف من هذه الحملة هو ممارسة ضغط اقتصادي واسع على طهران، معتبراً أن «الحرب الاقتصادية» التي توعد بها ترامب يمكن أن تؤدي إلى سقوط النظام.
وتأتي هذه التصريحات في وقت ترفع فيه الإدارة الأمريكية مستوى خطابها تجاه إيران، إذ أعلن ترامب أن بلاده ستطلق ما وصفه بـ«أشد عملية اقتصادية على الإطلاق» ضد دولة، متوعداً بفرض عزلة اقتصادية واسعة النطاق على طهران.
وبحسب ترامب، فإن إيران حصلت على فرص عديدة للتوصل إلى اتفاق، لكنها لم تستغلها، الأمر الذي دفع الإدارة الأمريكية إلى الانتقال، وفق خطابه، إلى مرحلة جديدة تقوم على الضغط الاقتصادي المكثف بدلاً من الاكتفاء بالمفاوضات والضغوط الدبلوماسية.
ولا تستهدف الخطة الأمريكية إيران وحدها، بل تحمل في طياتها تحذيراً للدول والشركات والمؤسسات التي قد تواصل التعامل مع طهران. فقد أكد ترامب أن أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مطاراتها أو كياناتها الحكومية بتقديم ما وصفه بـ«شريان حياة» لإيران ستواجه عواقب اقتصادية كبيرة.
ويكشف هذا التهديد عن توجه أمريكي لتوسيع نطاق العقوبات بحيث لا تقتصر آثارها على المؤسسات الإيرانية، وإنما تمتد إلى الأطراف الدولية التي يمكن أن توفر لطهران منافذ مالية وتجارية تساعدها على تجاوز العقوبات.
وفي هذا السياق، أشار بيسنت إلى أن الولايات المتحدة قد تتخذ إجراءات ضد الدول التي تصر على ممارسة الأعمال التجارية مع إيران، مؤكداً أن واشنطن تريد تقليص قدرة طهران على تمويل أنشطتها الإقليمية واستخدام حلفائها ووكلائها.
ويكتسب الحديث عن الصين أهمية خاصة في هذا الملف، باعتبارها من أبرز الشركاء التجاريين لإيران، وهو ما يجعل أي تشديد للعقوبات الأمريكية اختباراً حقيقياً لقدرة واشنطن على فرض حصار اقتصادي واسع على طهران دون الدخول في مواجهة مباشرة مع بكين.
ورغم ذلك، ترك وزير الخزانة الأمريكي الباب مفتوحاً أمام مفاوضات غير معلنة، قائلاً إن بعض المحادثات من الأفضل أن تبقى سرية، ومشيراً إلى أن واشنطن واثقة من أن مختلف الأطراف، بما فيها الصين، ترغب في إعادة فتح مضيق هرمز والحفاظ على استقرار حركة التجارة والطاقة العالمية.
ويُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وأي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة عبره يمكن أن ينعكس مباشرة على أسواق النفط والطاقة وأسعار الشحن والتجارة الدولية. ولذلك فإن ربط واشنطن بين تشديد الضغط على إيران وأمن الملاحة يكشف عن أبعاد استراتيجية تتجاوز الملف النووي والعقوبات المالية.
وفي الوقت ذاته، ترى الإدارة الأمريكية أن تشديد العقوبات يمكن أن يكون وسيلة لتقليل احتمالات اندلاع حرب واسعة. فبحسب بيسنت، فإن زيادة الضغط الاقتصادي قد تدفع طهران إلى تقديم تنازلات سياسية بدلاً من الذهاب نحو مواجهة عسكرية مفتوحة.
لكن هذا الطرح يواجه اختباراً صعباً، إذ إن العقوبات الاقتصادية لا تؤدي بالضرورة إلى النتيجة السياسية التي تسعى إليها الدولة التي تفرضها. فقد تستخدم الأنظمة المستهدفة أدوات بديلة للالتفاف على العقوبات، أو تلجأ إلى حلفائها وشبكاتها التجارية غير الرسمية، أو ترد بتصعيد إقليمي يرفع كلفة الضغط على الأطراف الأخرى.
ومن هنا تبدو المرحلة المقبلة شديدة الحساسية، خصوصاً إذا انتقلت واشنطن من العقوبات التقليدية إلى حملة تستهدف بصورة متزامنة صادرات النفط، والتحويلات المالية، والمصارف، وشركات الشحن والتأمين، والمنافذ التجارية، والدول التي تساعد إيران على تجاوز القيود الأمريكية.
وتراهن واشنطن، وفق التصريحات الأخيرة، على أن يؤدي تضييق الخناق الاقتصادي إلى إضعاف قدرة طهران على تمويل مؤسسات الدولة وشبكاتها الإقليمية، ودفعها في نهاية المطاف إلى القبول بتسوية سياسية بشروط أمريكية.
أما طهران، فمن المرجح أن تنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها محاولة لإجبارها على تغيير سياساتها بالقوة الاقتصادية، وهو ما قد يدفعها إلى البحث عن مسارات بديلة للحفاظ على تدفق الموارد، وتعزيز علاقاتها مع شركائها الدوليين، واستخدام أوراقها الإقليمية للرد على الضغوط.
وبذلك تتحول المواجهة الأمريكية الإيرانية إلى معركة متعددة الجبهات: واشنطن تستخدم المال والعقوبات والعزلة الاقتصادية، بينما تمتلك طهران أوراقاً جيوسياسية وأمنية واقتصادية يمكن استخدامها للرد.
وفي المحصلة، فإن تصريحات ترامب ووزير خزانته لا تشير فقط إلى جولة جديدة من العقوبات، بل إلى محاولة لإعادة صياغة قواعد المواجهة مع إيران. فواشنطن تريد أن تجعل تكلفة استمرار النظام في سياساته الحالية أعلى من تكلفة التفاوض، بينما تراهن طهران على قدرتها على الصمود وتجاوز الضغوط.
ويبقى السؤال الأبرز: هل تستطيع «الحرب الاقتصادية» الأمريكية بالفعل دفع النظام الإيراني إلى الانهيار، أم أنها ستقود إلى مواجهة أطول وأكثر تعقيداً تمتد آثارها إلى أسواق الطاقة والملاحة والأمن الإقليمي؟
الإجابة لن تتحدد بالعقوبات وحدها، بل بقدرة واشنطن على حشد حلفائها، وبمدى استعداد الصين ودول أخرى للالتزام بالضغوط الأمريكية، وبقدرة إيران على امتصاص الصدمة الاقتصادية، والأهم من ذلك بكيفية استخدام الطرفين لأوراقهما العسكرية والسياسية في المرحلة المقبلة.

فيديو