الجمهورية الضائعة في صنعاء.. لا تبحثوا عنها في عدن!

تقارير - منذ ساعتان

عدن|| عين الجنوب || خاص:
لم تعد محاولة تحميل عدن مسؤولية الأزمات التي عصفت باليمن مجرد خطاب سياسي عابر، بل تحولت في بعض المنابر إلى سردية متكررة تحاول نقل مركز المشكلة من مكانها الحقيقي إلى مكان آخر. فكلما تعقد المشهد السياسي، وكلما تعثرت مشاريع استعادة الدولة، ارتفعت أصوات تبحث عن تفسير سهل، فتضع عدن والجنوب في واجهة الاتهام، وكأن الجمهورية التي تاهت مؤسساتها واختل قرارها يمكن العثور عليها في شوارع مدينة لم تكن يومًا سببًا وحيدًا في كل ما وصل إليه اليمن.
والحقيقة التي يصعب القفز فوقها هي أن صنعاء كانت عاصمة الدولة ومركز مؤسساتها ومقر القرار السياسي والعسكري لعقود. ومن هناك بدأت التحولات الكبرى التي غيرت شكل الدولة وموازين القوى، وصولًا إلى انهيار مؤسساتها ودخول البلاد في واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا. ولذلك فإن من يريد أن يبحث عن أسباب ضياع الجمهورية، عليه أن يبدأ من جذور الأزمة ومراكز الأحداث، لا أن يجعل من عدن شماعة جاهزة لكل إخفاق سياسي.
فأي حديث عن الجمهورية لا يمكن أن يكون منفصلًا عن سؤال جوهري: أين اختفت مؤسسات الدولة؟ وكيف انتقل القرار من مؤسسات الجمهورية إلى مراكز قوى متصارعة؟ ومن الذي أضعف مؤسساتها وأوصلها إلى حالة الانقسام التي تعيشها البلاد اليوم؟
هذه الأسئلة أكثر أهمية من حملات الاتهام التي تحاول اختصار المشهد في عدن والجنوب.
لقد دفعت عدن ثمنًا باهظًا من الحروب والأزمات والانهيار الاقتصادي والصراعات السياسية والأمنية، كما دفع الجنوب عمومًا أثمانًا ثقيلة خلال عقود من الصراع. ومن غير المنطقي سياسيًا أو تاريخيًا أن يتم التعامل مع الجنوب باعتباره الطرف المسؤول عن كل أزمات اليمن، بينما يتم تجاهل العوامل التي صنعت الانهيار في مراكز الدولة ومؤسساتها.
والأكثر غرابة أن البعض يتحدث عن الجمهورية وكأنها كيان سياسي ثابت لا يزال قائمًا بكل مؤسساته، ثم يبحث عن أسباب غيابه في عدن، متجاهلًا أن الواقع اليمني تغير بصورة جذرية، وأن البلاد أصبحت أمام واقع سياسي وعسكري وجغرافي مختلف تمامًا عما كان عليه الحال قبل سنوات.
إن البحث عن الجمهورية الضائعة في عدن يشبه، في أبسط صورة، البحث عن مفتاح منزل مفقود في شارع آخر. فالمشكلة ليست في المكان الذي يُرفع فيه الصوت، وإنما في المكان الذي بدأت فيه عملية انهيار الدولة، وفي القوى التي ساهمت في إعادة تشكيل المشهد السياسي والعسكري.
ولذلك فإن استمرار خطاب تحميل عدن مسؤولية ضياع صنعاء لن يؤدي إلى استعادة الجمهورية، ولن يعيد مؤسسات الدولة، ولن يغير موازين القوى. بل سيؤدي فقط إلى تعميق الانقسام وإضاعة المزيد من الوقت في معارك إعلامية لا تنتج حلولًا.
إن اليمن اليوم بحاجة إلى قراءة سياسية مختلفة، قراءة تعترف بأن الواقع لم يعد كما كان، وأن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقوم على إنكار الحقائق أو فرض تصورات سياسية على الأطراف المختلفة. فالمستقبل يحتاج إلى تسوية شاملة تتعامل مع جميع القضايا والحقوق، وتبحث عن صيغة سياسية قابلة للحياة بدل الاستمرار في إعادة إنتاج الأزمات ذاتها.
ومن أراد الدفاع عن الجمهورية، فعليه أن يدافع أولًا عن مفهوم الدولة ومؤسساتها وسيادة القانون، وأن يسأل عن أسباب انهيار تلك المؤسسات، وعن أسباب استمرار الحرب، وعن مستقبل ملايين اليمنيين الذين أنهكتهم سنوات الصراع.
أما تحويل عدن إلى عنوان دائم للتباكي على دولة تائهة، فلن يعيد صنعاء، ولن يعيد مؤسسات الجمهورية، ولن يلغي الحقائق التي فرضتها سنوات الحرب والصراع.
والجنوب بدوره لديه قضية سياسية ومطالب وحقوق لا يمكن تجاوزها بمجرد رفع شعار الجمهورية. فحتى لو اختلفت القوى السياسية حول شكل الدولة ومستقبلها، فإن تجاهل تطلعات الجنوبيين لن يؤدي إلى حل، كما أن محاولة فرض رؤية سياسية واحدة على كامل اليمن لن تنتج استقرارًا دائمًا.
المطلوب اليوم ليس البحث عن شماعات جديدة، وإنما مواجهة الحقيقة كما هي: اليمن يعيش أزمة دولة وأزمة ثقة وأزمة مشروع سياسي، وهذه الأزمات لا تعالج بالخطابات الانفعالية ولا بتبادل الاتهامات بين صنعاء وعدن، وإنما بحوار سياسي جاد يعترف بتعدد القضايا والمصالح والواقع القائم.
فالجمهورية التي ضاعت مؤسساتها في خضم الصراع لا يمكن استعادتها بتحميل مدينة أخرى مسؤولية فقدانها، كما أن الدولة لا تُبنى بالشعارات وحدها. الدولة تُبنى بالمؤسسات، وبالعدالة، وبالاستقرار، وباحترام إرادة الشعوب، وبحل القضايا السياسية من جذورها.
ومن هنا، فإن الرسالة الأوضح لمن لا يزال يبحث عن جمهوريته الضائعة هي: لا تبحثوا عنها في عدن.
ابحثوا عن أسباب سقوط الدولة في المكان الذي بدأت فيه الأزمة، واسألوا عن المؤسسات التي انهارت، وعن القرار الذي صودر، وعن الحرب التي مزقت البلاد، وعن القوى التي أعادت رسم خارطة النفوذ.
أما عدن، فليست صندوق بريد لأزمات الآخرين، وليست شماعة لتعليق أخطاء الماضي والحاضر عليها. إنها مدينة دفعت من أمنها واستقرارها وأبنائها الكثير، ولأهلها، كما لكل اليمنيين، الحق في أن يتحدثوا عن مستقبلهم وأن يحددوا شكل الحياة السياسية التي يريدونها.
وفي نهاية المطاف، لن تستطيع أي حملة إعلامية أن تغير حقيقة واحدة: الدولة التي ضاعت في صنعاء لا يمكن استعادتها بالبحث عنها في عدن، واليمن الذي أنهكته الحرب لن يخرج من أزمته إلا عندما تواجه القوى السياسية جذور المشكلة بدل الهروب منها.

فيديو