بين دحر الحوثي ورفض الوصاية.. الجنوب يخوض معركة السيادة والقرار

تقارير - منذ 4 ساعات

عين الجنوب | خاص.      
في لحظة سياسية وعسكرية شديدة التعقيد، يجد الجنوب نفسه أمام معركة متعددة المسارات، لا تقتصر على مواجهة خطر الحوثيين، بل تمتد إلى قضية أوسع تتعلق بالقرار والسيادة ومستقبل الجنوب وموقعه في أي تسوية سياسية قادمة. فبينما تتواصل التهديدات التي يمثلها الحوثيون للأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، تتصاعد في المقابل أصوات جنوبية تؤكد أن مواجهة هذه التهديدات لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتهميش إرادة أبناء الجنوب أو فرض ترتيبات سياسية وعسكرية من خارج إرادتهم.
وخلال الفترة الماضية، برز خطاب سياسي وشعبي جنوبي يربط بين مواجهة الحوثيين وبين ضرورة حماية القرار الجنوبي من أي وصاية. وشهدت عدن ومدن في حضرموت فعاليات جماهيرية رفعت شعارات رافضة لما تصفه قوى جنوبية بالوصاية، ومؤكدة التمسك بالقضية الجنوبية وحق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم.
وتقوم المعادلة، وفق هذا الطرح، على مبدأ واضح: لا يمكن أن تكون مواجهة الحوثي على حساب قضية الجنوب، كما لا يمكن بناء شراكة سياسية حقيقية بينما يبقى مستقبل الجنوب رهناً بحسابات القوى الأخرى. فالمواجهة العسكرية لها أدواتها وجبهاتها، أما معركة القرار والسيادة فلها أدوات سياسية وشعبية مختلفة.
وفي المقابل، فإن تعدد القوى والمشاريع داخل المعسكر المناهض للحوثيين يجعل المشهد أكثر تعقيداً، خصوصاً مع استمرار الخلاف حول شكل الدولة ومستقبل الجنوب وترتيبات القوات والأمن. ولهذا فإن أي تسوية سياسية قادمة ستواجه اختباراً حقيقياً: هل تستطيع معالجة القضية الجنوبية باعتبارها قضية سياسية رئيسية، أم ستكتفي بإعادة توزيع النفوذ بين الأطراف؟
وفي خضم هذه التحولات، أصبح الشارع الجنوبي طرفاً يصعب تجاهله. فالفعاليات الجماهيرية لم تعد مجرد تجمعات احتجاجية، وإنما تحولت إلى رسائل سياسية تؤكد أن هناك شريحة واسعة تريد أن يكون لها حضور مباشر في تحديد مستقبل الجنوب، وترفض أن تتحول القوات الجنوبية إلى مجرد قوة تُستدعى عند الحاجة ثم تُستبعد عند صياغة الاتفاقات السياسية.
ومن هنا تتجاوز المعركة مفهوم المواجهة العسكرية المباشرة؛ فهي، في نظر أنصار القضية الجنوبية، معركة على من يملك القرار، ومن يحدد المستقبل، ومن يدفع ثمن الحرب، ومن يملك حق تقرير نهايتها.
فالجنوب، وفق هذا الخطاب، لا يريد أن يكون ساحة لصراعات الآخرين أو وقوداً لحروب لا تحدد مستقبله، بل يريد أن يكون طرفاً حاضراً في صناعة الحل، وأن تُناقش قضيته ضمن أي ترتيبات سياسية قادمة بصورة واضحة، بعيداً عن التأجيل أو الترحيل.
وفي مواجهة الحوثيين، يبقى أمن الجنوب ومدنه وموانئه وممراته البحرية مسألة ذات أهمية محلية وإقليمية، لكن ذلك لا يلغي، من وجهة النظر الجنوبية، ضرورة معالجة جذور القضية السياسية. فالمعارك قد تتوقف، والهدن قد تبدأ، والتحالفات قد تتغير، لكن القضايا السياسية التي لم تجد حلاً ستظل قادرة على إعادة إنتاج الصراع بأشكال مختلفة.
وهنا تبرز الرسالة الأكثر وضوحاً: الجنوب لا يرى أن مواجهة الحوثي ورفض الوصاية خياران متناقضان، بل يعتبرهما مسارين متلازمين؛ مساراً أمنياً لمواجهة التهديدات، ومساراً سياسياً لحماية القرار والمستقبل.
ولهذا فإن أي مشروع للاستقرار في اليمن لن يكون مرتبطاً بالحل العسكري وحده، بل بقدرته على إنتاج تسوية سياسية واقعية تعترف بتعدد القوى والقضايا، وتمنح القضية الجنوبية مساحة حقيقية للتفاوض، وتضع ترتيبات أمنية وسياسية قابلة للحياة.
وبين دحر الحوثي ورفض الوصاية، تتبلور معركة جديدة عنوانها الأبرز: هل يكون الجنوب شريكاً في صناعة القرار، أم يبقى مجرد ورقة في حسابات الآخرين؟
وفي النهاية، يبقى مستقبل الجنوب مرتبطاً بقدرته على تحويل مطالبه السياسية والشعبية إلى موقف تفاوضي واضح، وبقدرة الأطراف المختلفة على إدراك أن استقرار اليمن لا يمكن أن يقوم على تجاهل القضايا الأساسية، وإنما على تسوية تعالج جذور الأزمة وتفتح الطريق أمام مرحلة جديدة أكثر استقراراً وعدالة.

فيديو