موسكو وبكين وطهران في وجه التصعيد الغربي.. هل تُفتح أبواب مجلس الأمن أم تنتصر لغة الحوار؟

دراسات وتحليلات - منذ 3 ساعات

عين الجنوب |  خاص.   
دخل الملف النووي الإيراني مرحلة جديدة من التوتر الدبلوماسي، مع تصاعد الخلاف بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية من جهة، وإيران وروسيا والصين من جهة أخرى، على خلفية المساعي الرامية إلى دفع الملف النووي الإيراني نحو مجلس الأمن الدولي.
وفي أحدث تطورات هذا الملف، برز موقف إيراني روسي صيني مشترك يرفض المسار الأمريكي الأوروبي، ويعتبر أن محاولة إحالة القضية النووية الإيرانية إلى مجلس الأمن تفتقر، وفق رؤية الدول الثلاث، إلى الأساس القانوني اللازم، داعيًا أعضاء مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى عدم تأييد مشروع القرار الذي تقوده الولايات المتحدة والدول الأوروبية.
ويأتي هذا الموقف في وقت تتزايد فيه الضغوط على طهران بشأن برنامجها النووي، بعدما تقدمت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا بتحرك داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية يستهدف رفع مستوى التعامل الدولي مع الملف الإيراني. وكانت الدول الغربية قد طرحت مشروع قرار يدفع باتجاه إحالة الملف إلى مجلس الأمن، مستندة إلى ما تعتبره إخفاقًا إيرانيًا في الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالضمانات النووية والتعاون مع الوكالة.
في المقابل، ترى طهران أن تحويل الملف النووي إلى مسار أمني وسياسي جديد لن يؤدي إلى حل الأزمة، بل قد يفتح الباب أمام مزيد من التصعيد، ويضع المنطقة أمام مرحلة أكثر خطورة. ومن هذا المنطلق، جاء التشديد الإيراني الروسي الصيني على أن معالجة القضايا المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني ينبغي أن تتم عبر الحوار والتفاوض والآليات الدبلوماسية، بعيدًا عن الضغوط والتهديدات.
وتحاول موسكو وبكين، من خلال موقفهما الرافض للتحرك الغربي، منع تحول الملف النووي الإيراني إلى أداة جديدة للصدام داخل مجلس الأمن، خصوصًا في ظل امتلاك روسيا والصين حق النقض، الأمر الذي يجعل أي إجراءات عقابية مستقبلية داخل المجلس أكثر تعقيدًا.
ويعكس هذا الاصطفاف أيضًا اتساع الفجوة بين القوى الكبرى حول الطريقة المثلى للتعامل مع إيران. فبينما ترى واشنطن والعواصم الأوروبية أن الضغوط الدولية ضرورية لإجبار طهران على تقديم مزيد من المعلومات والسماح بعمليات التحقق، تؤكد إيران وحليفتاها روسيا والصين أن الحل لا يكمن في التصعيد، وإنما في استعادة المسار الدبلوماسي.
وتعود جذور الأزمة الحالية إلى الخلافات المتراكمة حول مدى تعاون إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولا سيما بشأن مواقع لم تُعلن سابقًا وآثار يورانيوم عُثر عليها فيها. وكانت الوكالة قد اتخذت في مراحل سابقة قرارات اعتبرت إيران غير ممتثلة لالتزاماتها المتعلقة بالضمانات، وهو ما شكل أساسًا للتحرك الغربي الحالي.
وفي المقابل، تؤكد طهران أن برنامجها النووي سلمي، وتنفي سعيها إلى امتلاك سلاح نووي، معتبرة أن الضغوط الغربية تتجاوز الجانب الفني للملف النووي إلى أهداف سياسية أوسع.
وبينما يتمسك الغرب بضرورة إخضاع البرنامج الإيراني لرقابة دولية أكثر صرامة، تتمسك طهران بمبدأ أن القضايا العالقة يمكن حلها من خلال التفاوض، شريطة عدم استخدام الوكالة الدولية للطاقة الذرية كأداة للضغط السياسي.
وتكتسب الدعوة الإيرانية الروسية الصينية للحوار أهمية خاصة في ظل البيئة الإقليمية شديدة التوتر، إذ إن نقل الملف إلى مجلس الأمن قد يؤدي إلى زيادة التوتر السياسي، وربما يفتح الباب أمام خطوات جديدة من العقوبات والضغوط، في وقت تواجه فيه المنطقة أصلًا أزمات أمنية وعسكرية متشابكة.
ويرى أصحاب هذا الموقف أن معالجة الملف النووي بالحوار تظل الطريق الأقل تكلفة والأكثر قدرة على منع التصعيد، خصوصًا أن أي مواجهة جديدة لن تقتصر تداعياتها على إيران والدول الغربية، بل قد تمتد إلى أمن الخليج والمنشآت النفطية والممرات البحرية والأسواق العالمية.
أما الدول الغربية فتؤكد أن إحالة الملف إلى مجلس الأمن لا تعني بالضرورة إغلاق باب الدبلوماسية، بل تعتبرها وسيلة لزيادة الضغط على طهران وحثها على العودة إلى التعاون الكامل مع الوكالة. وكان مشروع القرار الغربي نفسه قد تضمن تأكيدًا على دعم الحل الدبلوماسي وتشجيع الأطراف على الانخراط في المفاوضات.
وبذلك تبدو المعركة الحالية أكبر من مجرد خلاف تقني حول أجهزة الطرد المركزي أو كميات اليورانيوم المخصب؛ إنها مواجهة دبلوماسية حول مستقبل النظام الدولي في التعامل مع الملف الإيراني: هل تكون الأولوية للضغط والعقوبات والإحالة إلى مجلس الأمن، أم تُمنح الدبلوماسية فرصة جديدة لمعالجة الملفات العالقة؟
ومع استمرار تمسك طهران بموقفها، ودعم موسكو وبكين لها داخل المؤسسات الدولية، يبدو أن الأزمة مرشحة لمزيد من التجاذب، خصوصًا بعد تصويت مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لصالح إحالة إيران إلى مجلس الأمن، في خطوة هي الأولى من نوعها منذ عقدين، بينما عارضت روسيا والصين القرار.
وفي خضم هذا التصعيد، يبقى الخيار الأكثر أهمية هو منع تحول الخلاف النووي إلى مواجهة مفتوحة. فالحوار، مهما كان صعبًا وبطيئًا، يظل أقل كلفة من المواجهة، وأقدر على إنتاج تسوية قابلة للاستمرار. ومن هنا يأتي الإصرار الإيراني الروسي الصيني على أن المسائل المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني يجب أن تُعالج حصراً عبر الحوار والطرق الدبلوماسية، باعتبارها السبيل الوحيد القادر على احتواء الأزمة ومنعها من التحول إلى صراع دولي أوسع.

فيديو