زياره العقيلي إلى الضالع؟ رسالة استفزاز أم محاولة لإعلان كسر الجنوب؟

تقارير - منذ 3 ساعات

عدن ، عين الجنوب خاص

لم تكن زيارة وزير الدفاع طاهر العقيلي إلى محافظة الضالع، في نظر كثير من المتابعين للشأن الجنوبي، مجرد زيارة عسكرية عابرة إلى إحدى الجبهات اليمنية، بل حملت معها دلالات سياسية تتجاوز حدود الزيارة الميدانية، خصوصًا في ظل حساسية الضالع ومكانتها في الذاكرة السياسية والعسكرية الجنوبية، وما شهدته المحافظة خلال السنوات الماضية من مواجهات وصراعات وضغوط متعددة.
فالضالع ليست مجرد جبهة عسكرية على خارطة الحرب، وإنما محافظة ارتبط اسمها تاريخيًا بمقاومة المشاريع التي حاولت إخضاع الجنوب بالقوة، وقدمت خلال مراحل الصراع المختلفة أعدادًا كبيرة من القتلى والجرحى، الأمر الذي جعلها واحدة من أكثر المناطق الجنوبية حساسية تجاه أي محاولة لإعادة إنتاج الوصاية أو فرض مشاريع سياسية من خارج إرادة أبنائها.
ومن هنا، تبدو زيارة العقيلي إلى الضالع، بحسب قراءة سياسية متداولة، محمّلة برسائل تتجاوز العنوان العسكري المعلن. فهناك من يرى أن إرسال شخصية عسكرية محسوبة على دائرة النفوذ المدعومة سعوديًا إلى هذه المحافظة كان محاولة لقياس ردود الفعل، وإظهار أن الضالع باتت، وفق هذا التصور، جزءًا من ترتيبات سياسية وعسكرية جديدة يجري الدفع بها في الجنوب.
وتستند هذه القراءة إلى تاريخ طويل من التوتر بين الضالع وبعض مراكز القرار اليمنية والسعودية، وإلى تصريحات ومواقف سابقة حملت، بحسب منتقدين، نظرة عدائية تجاه الضالع ويافع وردفان والمثلث الجنوبي عمومًا.
وفي عام 2019، نُقلت تصريحات لمسؤولين يمنيين تضمنت دعوات إلى إخضاع الضالع ويافع وردفان بالقوة، وهي تصريحات أثارت حينها غضبًا واسعًا لدى أبناء تلك المناطق، ورسخت لدى قطاعات جنوبية الاعتقاد بأن استهداف المثلث لم يكن مجرد نتيجة عسكرية للحرب، وإنما جزء من صراع أوسع على النفوذ والقرار السياسي.
ومع استمرار الحرب وتعدد القوى المتدخلة في المشهد اليمني، ظهرت قراءات جنوبية تعتبر أن أحد أهداف بعض القوى الإقليمية كان إضعاف المراكز الجنوبية الأكثر تمسكًا بمشروع الاستقلال، وفي مقدمتها الضالع ويافع وردفان.
وفي هذا السياق تحديدًا، يأتي السؤال الأهم: لماذا الضالع؟
لماذا لم تكن الزيارة إلى إحدى جبهات الشمال، حيث تدور المعارك منذ سنوات؟ لماذا لم تكن إلى اليتمة أو حزم الجوف أو ميدي أو المخا أو البيضاء أو مأرب، إذا كان الهدف عسكريًا بحتًا؟
هذا السؤال هو الذي دفع مراقبين جنوبيين إلى التعامل مع زيارة العقيلي باعتبارها تحمل رسالة سياسية موازية للرسالة العسكرية.
فالضالع، في الوعي الجنوبي، ليست منطقة يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد مساحة جغرافية أو جبهة قابلة لإعادة التموضع السياسي. إنها ذاكرة كاملة من التضحيات، وأسماء شهداء، وأسر فقدت أبناءها، وأمهات وزوجات وبنات ما زلن يحملن آثار الحروب التي مرت على المحافظة.
ولهذا فإن محاولة اختزال الضالع في موقف شخص أو مجموعة أشخاص لا تعكس بالضرورة موقف المجتمع بأكمله.
فالضالع أكبر من الأشخاص، وأكبر من القيادات، وأكبر من أي ترتيبات سياسية مؤقتة.
الضالع هي أبناؤها الذين قاتلوا دفاعًا عن أرضهم، وهي أسر الشهداء الذين دفعوا أثمانًا باهظة، وهي جبهة عسكرية واجهت الحوثيين في ظروف شديدة التعقيد، وهي مجتمع يرى قطاع واسع منه أن قراره السياسي يجب أن يصدر من داخله، لا من عاصمة إقليمية أو مركز نفوذ خارجي.
ومن هنا، فإن أي محاولة لتقديم زيارة العقيلي باعتبارها إعلانًا عن "كسر الضالع" قد تحمل، في المقابل، نتيجة عكسية تمامًا.
فبدلًا من أن تكون الزيارة دليلًا على إخضاع المحافظة، قد تتحول إلى مناسبة لإعادة التأكيد على رفض أبناء الضالع لأي وصاية سياسية أو عسكرية.
وهنا تتضح المفارقة.
إذا كانت الرسالة المراد إيصالها هي أن الجنوب أصبح مستعدًا لقبول ترتيبات جديدة، فإن رد الفعل الشعبي والسياسي قد يأتي ليقول العكس: الجنوب لا يمكن اختزاله في مجموعة أسماء، ولا يمكن اختصار قضيته في موقع أو منصب أو تحالف مؤقت.
والأمر لا يتعلق بالضالع وحدها.
ففي الوعي الجنوبي الأوسع، تمتد القضية من الصبيحة ويافع وردفان إلى أبين وشبوة وعدن وحضرموت والمهرة وسقطرى. وكل منطقة من هذه المناطق لها خصوصيتها وتاريخها وتضحياتها، لكن القاسم المشترك بينها، وفق خطاب القوى الجنوبية الرافضة للوصاية، هو التمسك بحق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم السياسي.
ومن هذا المنظور، فإن الضغوط الخارجية، مهما بلغت، لا تؤدي بالضرورة إلى إضعاف القضية الجنوبية؛ بل قد تدفع قطاعات أوسع من المجتمع إلى التشبث بها.
فالقضايا السياسية لا تُهزم بالغارات وحدها، ولا تنتهي بالضغوط العسكرية، ولا تُمحى بتغيير التحالفات.
بل إن التجارب السياسية والتاريخية تؤكد أن الضغط المفرط قد ينتج أحيانًا عكس الهدف المطلوب، عندما يشعر المجتمع بأن هويته وقراره السياسي أصبحا محل استهداف.
وهنا يعود السؤال إلى العقيلي ومن يقف خلف زيارته: هل كانت الرسالة المقصودة هي أن مشروع الرىيس عيدروس الزبيدي قد انتهى؟
إن تكرار مثل هذه الرسالة خلال الأشهر الماضية لم يقدّم، حتى الآن، دليلًا حاسمًا على تجاوز المشروع السياسي الذي يمثله الرجل، بحسب أنصاره. بل إن استمرار حضور القضية الجنوبية في الخطاب الشعبي والسياسي يدل على أن المسألة أعمق من شخص أو منصب.
قد تختلف المواقف من الرىيس عيدروس الزبيدي، وقد تتغير التحالفات، وقد تظهر شخصيات جديدة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة اختفاء القضية التي يتحدث باسمها أنصاره.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية في أي مقاربة تقوم على فكرة أن تغيير الأشخاص كفيل بإسقاط المشاريع السياسية.
فالجنوب، بالنسبة لكثير من أبنائه، ليس اسم قائد واحد، وإنما قضية وهوية وذاكرة وتاريخ وتضحيات.
ولهذا فإن جبهة الضالع، وفق هذا المنظور، لا يمكن أن تتحول إلى أداة في صراع إقليمي، ولا ينبغي أن يُطلب من أبنائها خوض معارك لا يرون أنها تخدم مصالحهم الوطنية.
كما أن أي ترتيبات عسكرية لا تحظى بقبول المجتمع المحلي ستظل عرضة للاعتراض والرفض، مهما كان حجم الدعم الذي تقف خلفه.
إن الضالع التي دفعت ثمنًا كبيرًا في مواجهة الحوثيين لا تريد أن تتحول تضحياتها إلى ورقة في صراع النفوذ بين القوى الإقليمية، ولا تريد أن يُستخدم أبناؤها كوقود لمشاريع سياسية لا يشاركون في صياغتها.
ومن هنا يمكن فهم الرسالة التي يوجهها الرافضون للوصاية إلى كل الأطراف: لا يمكن إدارة الجنوب من الخارج.
لا يمكن فرض مشروع سياسي بالقوة.
ولا يمكن التعامل مع أبناء الجنوب باعتبارهم مجرد أدوات عسكرية قابلة للتحريك من جبهة إلى أخرى وفق حسابات القوى الإقليمية.
وإذا كانت زيارة العقيلي قد جاءت بهدف اختبار هذه المعادلة، فإن ما جرى في الضالع ينبغي أن يُقرأ بعناية، بعيدًا عن المبالغة أو التسرع في إعلان الانتصارات السياسية.
فالضالع لم تكن يومًا محافظة سهلة الإخضاع، ولن تكون كذلك لمجرد أن شخصية عسكرية زارت إحدى جبهاتها.
وإذا كان البعض قد أراد من الزيارة أن تكون رسالة تقول إن الضالع انكسرت، فقد تكون الرسالة التي خرجت من الضالع مختلفة تمامًا: القضية الجنوبية لم تنتهِ، والقرار الجنوبي لا يزال محل صراع، وأي محاولة لفرض الوصاية ستواجه برفض شعبي وسياسي.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الجنوب ليس كتلة سياسية واحدة، وأن داخله خلافات وتباينات حقيقية، لكن ذلك لا يلغي وجود تيار واسع يرفض أن تكون مستقبله السياسي مرهونًا بإرادة الخارج.
ومن هنا، فإن الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من قصة زيارة العقيلي إلى الضالع هو أن استخدام الرموز العسكرية والسياسية لإرسال رسائل الإخضاع قد يأتي بنتائج عكسية.
فالضالع ليست القبة، وليست الشنفرة، وليست شلال شائع، وليست أي شخصية بعينها.
الضالع مجتمع كامل.
والجنوب كذلك.
ومهما تغيرت التحالفات، ومهما تبدلت الأدوات، ومهما اشتدت الضغوط، فإن القضايا التي نشأت من رحم التضحيات لا تختفي بقرار سياسي، ولا تنتهي بزيارة عسكرية.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: لماذا أرسلت السعودية العقيلي إلى الضالع؟
بل: ماذا أرادت أن تقول من خلال هذه الزيارة، وماذا قال أبناء الضالع في المقابل؟
إذا كانت الرسالة هي أن الجنوب قد أصبح قابلًا للوصاية، فإن الرد الذي يتردد في الضالع ومناطق جنوبية أخرى هو أن القرار السياسي لا يُنتزع بالقوة، وأن مستقبل الجنوب لن يُحسم في غرف مغلقة، وإنما بإرادة أبنائه.
الضالع لم تنكسر... وربما كانت الرسالة التي خرجت منها أقوى من الرسالة التي أُرسل العقيلي لإيصالها.

فيديو