الجنوب بركانٌ ملتهبٌ أمام الأطماع المحيطة بثرواته والوصاية على أرضه

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن|| عين الجنوب ||خاص:
يقف الجنوب اليوم أمام مرحلة شديدة الحساسية، في ظل تداخل المصالح الإقليمية والدولية وتعدد الأطماع التي تحاول الاقتراب من أرضه وثرواته وموقعه الاستراتيجي. وبينما تتغير التحالفات وتتبدل الحسابات السياسية والعسكرية، تظل الحقيقة الأبرز أن الجنوب لم يعد ساحة مفتوحة يمكن التعامل معها باعتبارها هامشًا في معادلات الآخرين، بل بات حاضرًا بقوة في صميم المشهد، بما يمتلكه من موقع جغرافي وثروات وإرادة شعبية وتاريخ طويل من الصراع دفاعًا عن أرضه وهويته.
ويشبه المشهد الجنوبي بركانًا يختزن طاقة هائلة تحت سطح الأحداث؛ فقد تبدو الأوضاع في بعض اللحظات هادئة، لكن تراكم الأزمات والضغوط ومحاولات فرض الوصاية أو إعادة إنتاج مشاريع سياسية لا تنسجم مع تطلعات أبناء الجنوب يجعل حالة الاحتقان قائمة وقابلة للتصاعد سياسيًا وشعبيًا.
وتأتي أهمية الجنوب من موقعه الذي يجعله نقطة اتصال بالبحر العربي وخليج عدن وباب المندب، وهي مناطق ذات أهمية بالغة لحركة التجارة والأمن البحري والطاقة. كما أن امتداد الجنوب الجغرافي وثرواته الطبيعية وموانئه وموقعه البحري يمنحه أهمية تتجاوز حدود الصراع المحلي، ويجعل مستقبل المنطقة مرتبطًا بدرجة كبيرة بكيفية التعامل مع القضية الجنوبية ومطالب أبنائها.
غير أن الأطماع لا تقتصر على الجغرافيا والثروات، فهناك أيضًا صراع على القرار السياسي وعلى شكل الدولة ومستقبلها، ومحاولات متعددة لإعادة ترتيب المشهد وفق حسابات خارجية. وفي مقابل ذلك، تتزايد المطالب الجنوبية بأن يكون أبناء الجنوب أصحاب القرار الأول في تحديد مستقبل أرضهم، بعيدًا عن الصفقات التي تُبرم فوق الطاولة أو خلف الأبواب المغلقة.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن تجاهل القضية الجنوبية لم يؤدِّ إلى إخمادها، بل جعلها أكثر حضورًا في المشهد السياسي. فكلما جرى التعامل معها باعتبارها ملفًا ثانويًا أو قضية يمكن تأجيلها، عادت إلى الواجهة بصورة أكبر، لأن جذورها مرتبطة بالهوية السياسية والتاريخية للجنوب وبمطالب شعبية متراكمة.
وفي الجانب الآخر، يدرك أبناء الجنوب أن مواجهة الأطماع لا تكون بالشعارات وحدها، وإنما ببناء مؤسسات قوية، وترسيخ الأمن والاستقرار، وحماية الموارد، ومكافحة الفساد، وتعزيز الإدارة المحلية، وتوحيد الصف السياسي والاجتماعي، وتحويل الموقع الاستراتيجي والثروات الطبيعية إلى عناصر قوة تخدم المجتمع بدل أن تتحول إلى أدوات للصراع.
كما أن حماية الجنوب من محاولات الاستقطاب تتطلب وعيًا سياسيًا متقدمًا يحافظ على وحدة الصف ويمنع تحويل الخلافات الداخلية إلى مداخل للتدخل الخارجي. فالمعركة الحقيقية ليست فقط في مواجهة طرف بعينه، وإنما في بناء موقف جنوبي متماسك قادر على حماية المصالح الوطنية والتفاوض من موقع قوة، مع الحفاظ على حق أبناء الجنوب في تقرير مستقبلهم عبر الوسائل السياسية المشروعة.
وفي خضم هذه المعادلات، يظل الجنوب أمام اختبار تاريخي: إما أن يبقى ساحة تتصارع فوقها المشاريع والمصالح، أو يتحول إلى طرف فاعل يمتلك مؤسساته ورؤيته وقراره. وبين الخيارين تتحدد أهمية المرحلة المقبلة، التي تحتاج إلى تغليب المصلحة العامة، وترسيخ الأمن، وحماية الثروات، وتحصين المجتمع من الفتن والانقسامات.
إن الجنوب ليس مجرد رقعة جغرافية محاطة بالمصالح والأطماع، بل مجتمع يمتلك ذاكرة سياسية وتاريخًا وهوية ومطالب واضحة. ولذلك فإن أي محاولة لتجاوز إرادته أو فرض ترتيبات لا تحظى بقبول أبنائه ستظل معرضة للاصطدام بالواقع.
ويبقى الرهان الأكبر على قدرة الجنوبيين على تحويل حالة الغضب الشعبي إلى عمل سياسي ومؤسسي منظم، وعلى تحويل الموقع والثروة والقدرات البشرية إلى عوامل بناء واستقرار. فحين يمتلك المجتمع مؤسسات قوية وقرارًا موحدًا ورؤية واضحة، تصبح الأطماع الخارجية أكثر صعوبة، وتتحول الجغرافيا من نقطة ضعف إلى مصدر قوة.
وهكذا يظل الجنوب، وسط كل ما يحيط به من مشاريع وضغوط، كبركان ملتهب لا يمكن تجاهل حرارته أو التعامل مع قضاياه بمنطق التأجيل. فالمستقبل لن تحدده الأطماع وحدها، بل ستحدده أيضًا قدرة أبناء الجنوب على حماية مصالحهم، وصون هويتهم، وبناء مؤسساتهم، وفرض حضورهم السياسي عبر الوسائل السلمية والقانونية، بما يضمن أن يكون الجنوب شريكًا في صناعة مستقبله لا مجرد ساحة لصناعة مستقبل الآخرين.

فيديو