حكومة دولة تُدار من الفنادق وقراراتها معلّقة على حقائب السفر

تقارير - منذ 45 دقيقة

عدن . عين الجنوب || خاص            

تتصاعد الانتقادات الشعبية والسياسية لما يصفه مراقبون بمشهد «الحكومة في شنطة»، في إشارة إلى واقع سياسي وإداري باتت فيه مؤسسات الدولة عاجزة عن ممارسة دورها بصورة مستقرة، بينما تتنقل القيادات والمسؤولون بين العواصم والفنادق، بعيدًا عن المدن التي يفترض أن تكون مركزًا لصناعة القرار وإدارة شؤون المواطنين.
فالحكومة، في مفهوم الدولة الحديثة، ليست مجرد أسماء في قوائم رسمية أو مناصب تحمل ألقابًا، وإنما مؤسسات تعمل من داخل البلاد، وتتحمل مسؤولية الخدمات والاقتصاد والأمن والرواتب وإدارة الموارد، وتخضع للمساءلة أمام المواطنين. وعندما تتحول الحكومة إلى مجموعة من المسؤولين الذين ينتقلون من مكان إلى آخر، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: أين هي الدولة، وأين مركز القرار، ومن يتحمل مسؤولية الأزمات المتراكمة؟
ويأتي هذا الجدل في ظل أوضاع معيشية وخدمية صعبة، تتطلب وجود سلطة تنفيذية قادرة على اتخاذ القرارات ومتابعة تنفيذها على الأرض. فالمواطن لا يبحث عن بيانات وتصريحات بقدر ما يبحث عن الكهرباء والرواتب والخدمات والأسواق المستقرة، وعن مؤسسات تعمل بصورة طبيعية وتضع حلولًا للمشكلات اليومية بدل الاكتفاء بإدارتها من بعيد.
ويرى منتقدون أن استمرار هذا النمط من الإدارة يفاقم الفجوة بين السلطة والمجتمع، ويجعل مؤسسات الدولة تبدو منفصلة عن الواقع الذي يعيشه المواطنون. فكل يوم تتأخر فيه الحلول، تتضاعف الأعباء الاقتصادية، وتتراجع الثقة بالمؤسسات، بينما تتحول الأزمات من ملفات مؤقتة إلى أزمات مزمنة يصعب احتواؤها.
ولا تتوقف مشكلة «الحكومة في شنطة» عند مسألة مكان إقامة المسؤولين، بل تتجاوزها إلى طبيعة القرار السياسي والإداري نفسه. فالدولة التي تريد استعادة حضورها تحتاج إلى مؤسسات مستقرة، ووزارات تعمل بكامل طاقتها، ومسؤولين موجودين في الميدان، وآليات واضحة للمحاسبة، وقرارات تنطلق من احتياجات الناس لا من حسابات الغرف المغلقة.
وفي المقابل، فإن أي معالجة حقيقية لا يمكن أن تبدأ بمجرد تغيير أسماء الوزراء أو إعادة تدوير المسؤولين، وإنما بإعادة الاعتبار لمفهوم المؤسسة، وربط المسؤولية بالنتائج، ووضع ملفات الخدمات والاقتصاد والرواتب والأمن في مقدمة الأولويات.
إن استمرار صورة «الحكومة في شنطة» يختصر أزمة أعمق من مجرد غياب المسؤولين عن مكاتبهم؛ إنها أزمة علاقة بين السلطة والمواطن، وأزمة مؤسسات تحتاج إلى إصلاح جذري يعيد للدولة حضورها، وللمنصب العام معناه، وللمواطن حقه في أن يرى حكومة تعمل من أجله وعلى أرضه، لا حكومة تتنقل معها حقائبها من عاصمة إلى أخرى.
وفي نهاية المطاف، لا تُقاس قوة أي حكومة بعدد اجتماعاتها أو بياناتها، وإنما بقدرتها على الحضور الفعلي، واتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية، وتحويل الوعود إلى نتائج ملموسة. أما حين تصبح الحكومة مجرد أسماء وحقائب متنقلة، فإن السؤال الأكبر يبقى مفتوحًا: هل نحن أمام حكومة تدير دولة، أم دولة تنتظر حكومة تعود إليها؟

فيديو