الجنوب.. شرعية تنبع من الأرض وقرار تصنعه إرادة الشعب

تقارير - منذ 37 دقيقة

عدن عين الجنوب || خاص        
لم تعد قضية الجنوب مجرد ملف سياسي عابر يمكن وضعه على طاولة المفاوضات ثم تأجيله إلى جولة أخرى، بل أصبحت قضية مرتبطة بالأرض والهوية والإرادة الشعبية، تستند إلى واقع سياسي ومجتمعي متراكم، وإلى حضور شعبي واسع يرى أن مستقبل الجنوب يجب أن يحدده أبناؤه، بعيدًا عن الإملاءات والوصاية والصفقات التي تُبرم خلف الأبواب المغلقة.
فالشرعية، في جوهرها، لا تُقاس فقط بما تحمله الأوراق من أختام، ولا بما تمنحه العواصم من اعترافات مؤقتة، وإنما تستمد قوتها كذلك من ارتباط القرار بالأرض ومن قدرة المجتمع على التعبير عن إرادته والدفاع عن مصالحه. ومن هذا المنطلق، ينظر كثير من الجنوبيين إلى قضيتهم باعتبارها مشروعًا سياسيًا متصلًا بإرادة شعبية ترى أن تقرير مستقبل الجنوب ينبغي أن يكون حقًا أصيلًا لأبنائه.
وعلى امتداد السنوات الماضية، ظل الشارع الجنوبي حاضرًا في المشهد السياسي من خلال الفعاليات والمسيرات والاحتجاجات والمواقف الشعبية المتكررة، مؤكدًا أن أي تسوية لا تتعامل مع جوهر القضية الجنوبية ستظل عرضة للفشل، مهما تعددت المبادرات وتغيرت الأطراف الراعية لها.
وتبرز أهمية الإرادة الشعبية بصورة أكبر في ظل التحولات السياسية والأمنية المتسارعة في المنطقة، حيث باتت قضية الجنوب مرتبطة، إلى جانب البعد السياسي، بملفات الأمن والاستقرار وحماية السواحل والممرات البحرية ومواجهة الجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة. وهي ملفات تجعل مستقبل الجنوب جزءًا من معادلة إقليمية أوسع، لكن ذلك لا يلغي، بالنسبة لأنصاره، أولوية أن يكون القرار السياسي نابعًا من الداخل لا مفروضًا من الخارج.
ويرى أنصار المشروع الجنوبي أن السنوات الماضية أثبتت أن محاولات تجاوز القضية أو اختزالها في ترتيبات مؤقتة لم تؤدِّ إلى إنهائها، بل زادت من حضورها في الوعي السياسي والشعبي. فكلما جرى التعامل معها باعتبارها قضية ثانوية، عادت إلى واجهة المشهد بصورة أكثر وضوحًا، باعتبارها قضية تتعلق بالهوية والتمثيل السياسي وشكل الدولة ومستقبلها.
وفي هذا السياق، تتزايد الدعوات إلى بناء مسار سياسي جنوبي حقيقي يضع تطلعات المواطنين في مقدمة الأولويات، ويمنحهم مساحة فعلية للتعبير عن رؤيتهم للمستقبل، بدلًا من إنتاج تسويات فوقية لا تستند إلى قاعدة شعبية واضحة.
كما أن الحديث عن الشرعية لا ينفصل عن مسؤولية بناء المؤسسات وترسيخ القانون ومكافحة الفساد وتحسين الخدمات وحماية الموارد العامة. فالإرادة الشعبية، لكي تتحول إلى مشروع سياسي مستدام، تحتاج إلى مؤسسات قادرة على إدارة الدولة وتحقيق العدالة وتوفير الخدمات وصون الحقوق، بما يجعل الدولة المنشودة مشروعًا للحياة والاستقرار، لا مجرد شعار سياسي.
ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست فقط على حدود الجغرافيا، وإنما أيضًا على حق المجتمع في امتلاك قراره وتحديد أولوياته وصياغة مستقبله. وكلما ازدادت الضغوط الخارجية وتعددت مشاريع إعادة ترتيب المشهد، يصبح التمسك بالحوار الجنوبي وبالإرادة الشعبية عاملًا أساسيًا في تحديد المسار السياسي المقبل.
ويبقى الجنوب، وفق هذه الرؤية، أمام اختبار تاريخي يتمثل في تحويل حضوره الشعبي والسياسي إلى مشروع مؤسسي واضح، يجمع أبناءه ويحمي مصالحهم ويضع قضية تقرير المصير في إطار سياسي قابل للنقاش والحوار، بعيدًا عن العنف والإقصاء وفرض الأمر الواقع.
وفي النهاية، تظل الأرض هي نقطة البداية، والشعب هو صاحب المصلحة الأولى في تقرير مستقبله. وبين شرعية تنطلق من الواقع وإرادة شعبية تبحث عن الاعتراف بحقها في صناعة القرار، تبدو قضية الجنوب حاضرة بقوة في أي نقاش جاد حول مستقبل المنطقة، باعتبارها قضية لا يمكن تجاوزها بمجرد البيانات أو الاتفاقات المؤقتة، وإنما تحتاج إلى معالجة سياسية تستند إلى إرادة المواطنين وتطلعاتهم المشروعة.

فيديو