لماذا تراجع ترامب في اللحظات الأخيرة؟ ..ضربات الحوثيين تتحول إلى معضلة أمريكية

تقارير - منذ 52 دقيقة

عدن ، عين الجنوب || خاص      

كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» عن تردد متصاعد داخل الإدارة الأمريكية بشأن توجيه ضربات عسكرية إلى مواقع مليشيا الحوثيين، في ظل ضغوط سعودية متكررة تطالب واشنطن بالتدخل لوقف تصعيد الجماعة المدعومة من إيران، في تطور يعكس تعقيدات المشهد العسكري والسياسي في المنطقة، ويضع إدارة الرئيس دونالد ترامب أمام حسابات شديدة الحساسية.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، ظلت مسألة الاستجابة للمطالب السعودية وإصدار أوامر للجيش الأمريكي بتنفيذ ضربات ضد أهداف حوثية على مدى نحو أسبوعين واحدة من أبرز المعضلات التي واجهت ترامب، خصوصاً أن أي تدخل عسكري مباشر قد يفتح جبهة جديدة ضمن صراع إقليمي واسع مع إيران، في وقت لا تزال تداعيات المواجهة العسكرية والاقتصادية تتردد على المستويين الإقليمي والدولي.
وأشارت الصحيفة إلى أن ترامب أمضى أسابيع في دراسة المطالب السعودية المتعلقة بمواجهة الحوثيين، قبل أن تصل الاتصالات بين واشنطن والرياض إلى مرحلة حاسمة، عندما أجرى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان اتصالاً بالرئيس الأمريكي، طالب خلاله مجدداً بتدخل واشنطن للمساعدة في احتواء الجماعة، وفق مسؤولين في الإدارة الأمريكية.
وتقول الرواية التي نقلتها «نيويورك تايمز» إن موقف ترامب شهد تحولاً لافتاً خلال أيام قليلة. ففي البداية أبلغ الرئيس مستشاريه بأنه لا يؤيد تنفيذ ضربات عسكرية، قبل أن يتغير موقفه عقب الاتصال السعودي، ويوجه وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون» بالاستعداد لاحتمال تنفيذ غارات جوية ضد مواقع الحوثيين.
لكن القرار لم يستقر طويلاً، إذ أفادت الصحيفة بأن ترامب عاد بحلول منتصف يوم الأحد إلى التراجع عن الخيار العسكري، أو على الأقل تأجيله في الوقت الراهن، رغم أن الاستعدادات العسكرية كانت قد قطعت شوطاً متقدماً، وأن قوائم الأهداف كانت قد حظيت بالموافقة، فيما كانت القوات الأمريكية تستعد لتنفيذ المهمة.
وبحسب شخصين مطلعين على تفاصيل العملية، وصلت الاستعدادات إلى مرحلة متقدمة، مع تجهيز الطائرات الحربية وتحميل القنابل استعداداً لموجة محتملة من الضربات، قبل أن يتغير القرار السياسي مرة أخرى، لتتوقف العملية قبل انطلاقها.
ويعكس هذا التطور، وفق المعطيات التي أوردتها الصحيفة، حجم التردد داخل الإدارة الأمريكية بشأن الانخراط المباشر في جولة جديدة من الحرب، خصوصاً أن أي حملة جوية أمريكية قد لا تبقى محصورة في إطار ضربة محدودة، بل يمكن أن تتحول إلى مسار عسكري أوسع يصعب التحكم في تداعياته.
وتشير المعلومات إلى أن أي تدخل أمريكي محتمل قد يتزامن مع هجوم بري جديد تخطط له القوات الحكومية اليمنية ضد الحوثيين، إلا أن أداء تلك القوات خلال المواجهات الأخيرة أثار تساؤلات واسعة حول قدرتها على خوض معركة طويلة ومنظمة، في ظل ما وصفه مسؤولون ومراقبون بتراجعها أمام الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة.
وفي هذا السياق، نقلت «نيويورك تايمز» عن دبلوماسيين وقادة عسكريين أمريكيين حاليين وسابقين ممن خدموا في الشرق الأوسط تشكيكهم في قدرة حملة قصف أمريكية محدودة على دفع الحوثيين إلى تقديم تنازلات سياسية أو التخلي عن مطالبهم الأكثر تشدداً.
ويستند هذا التشكيك، بحسب الصحيفة، إلى تجربة سابقة، إذ سبق للولايات المتحدة أن نفذت حملة جوية استمرت قرابة ثمانية أسابيع ضد الحوثيين، دون أن تؤدي الضربات إلى تحقيق الهدف السياسي المتمثل في إجبار الجماعة على تغيير حساباتها أو الدخول في تسوية بالشروط التي أرادتها واشنطن وحلفاؤها.
كما تبرز معضلة أخرى أمام أي استراتيجية عسكرية أمريكية، تتمثل في طبيعة القوات البرية التي يفترض أن تستفيد من الغطاء الجوي الأمريكي. فالقادة والدبلوماسيون الذين تحدثوا للصحيفة أبدوا شكوكاً حول قدرة قوة يمنية تعاني من الانقسامات وضعف التنسيق على استثمار أي حملة جوية وتحويلها إلى مكاسب عسكرية على الأرض.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في ظل تعدد القوى المناهضة للحوثيين واختلاف أهدافها السياسية والعسكرية، وهو ما يجعل بناء جبهة موحدة أمراً معقداً، ويطرح تساؤلات حول ما إذا كان توجيه ضربات جوية يمكن أن يحقق نتائج ميدانية دائمة في غياب قوة برية متماسكة وقادرة على تثبيت أي مكاسب.
وفي توصيف لافت نقلته الصحيفة، شبّه غريغوري جونسن، الزميل غير المقيم في معهد دول الخليج العربية في واشنطن، التحالف المناهض للحوثيين بـ«فرانكشتاين»، في إشارة إلى تركيبه من قوى ومكونات متباينة لا تجمعها بالضرورة رؤية واحدة بشأن مستقبل البلاد.
ويرى جونسن، وفق ما نقلته الصحيفة، أن الجماعات المختلفة المناهضة للحوثيين تحمل أهدافاً متباينة، بل ومتعارضة في بعض الأحيان، الأمر الذي يجعل الصراع بينها يستنزف جزءاً من طاقتها التي يفترض أن توجه إلى مواجهة الحوثيين.
وتكشف هذه المعطيات أن المعضلة الأمريكية لا تتعلق فقط بقرار تنفيذ الغارات من عدمه، وإنما بالسؤال الأوسع حول ما بعد الضربة: ماذا سيحدث على الأرض إذا بدأت الولايات المتحدة حملة جوية جديدة؟ ومن هي القوة التي ستتولى التقدم ميدانياً؟ وهل تستطيع القوى المناهضة للحوثيين العمل ضمن قيادة موحدة، أم أن التباينات الداخلية ستعيد إنتاج حالة الصراع والانقسام؟
وبذلك تبدو واشنطن أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فالامتناع عن التدخل قد يترك حلفاءها أمام خصم يواصل تعزيز موقعه، بينما قد يؤدي التدخل العسكري المباشر إلى توسيع دائرة المواجهة وإدخال الولايات المتحدة في مسار جديد يصعب تحديد نهايته.
وفي ظل هذه الحسابات، جاء تراجع ترامب عن الضربات، وفق الرواية التي أوردتها «نيويورك تايمز»، ليكشف أن القرار العسكري لم يكن مجرد مسألة تقنية تتعلق بتحديد الأهداف وتجهيز الطائرات، بل قراراً سياسياً مرتبطاً بتقييم أوسع لتكاليف الحرب ونتائجها المحتملة.
وهكذا تحولت الضربة التي كانت الطائرات تستعد لتنفيذها إلى اختبار جديد لحدود الانخراط الأمريكي في صراعات المنطقة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على واشنطن لاتخاذ موقف أكثر حسماً، بينما يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان تأجيل الضربات يمثل نهاية للخيار العسكري أم مجرد إرجاء له إلى مرحلة لاحقة.

فيديو