من تعطيل التنمية إلى البحث عن الهدنة.. هل دفعت سياسات السعودية الجنوب إلى ثمن صراع لا ينتهي؟

تقارير - منذ 49 دقيقة

عين الجنوب|| خاص:
على مدى سنوات الحرب، لم يعد الجدل في الجنوب يقتصر على الملفات العسكرية والسياسية، بل امتد بصورة واسعة إلى سؤال التنمية ومستقبل المناطق الجنوبية، في ظل اتهامات متزايدة بأن إدارة الملف من جانب التحالف بقيادة السعودية لم تساعد على بناء بيئة مستقرة تسمح بانطلاق المشاريع الاقتصادية والخدمية، وأن الأولوية ظلت محكومة بالحسابات الأمنية والسياسية أكثر من ارتباطها باحتياجات السكان ومسار التنمية.
ويستند منتقدو السياسة السعودية في الجنوب إلى أن استمرار الصراعات وتبدل موازين القوى وتعدد التشكيلات العسكرية والسياسية أوجد حالة من عدم الاستقرار انعكست على الاقتصاد والخدمات والاستثمار، بينما بقيت ملفات إعادة الإعمار والتنمية رهينة التجاذبات السياسية. وتظهر دراسات متخصصة أن السعودية امتلكت خلال سنوات الحرب نفوذاً واسعاً على قطاعات مدنية وعسكرية، بما في ذلك السيطرة على حقول نفط في حضرموت وهو ما منحها أدوات تأثير كبيرة في إدارة المشهد الجنوبي
ويرى أصحاب هذا الطرح أن المشكله لاتكمن في السيطرة وإنما في طبيعة البيئة السياسية التي تشكلت حول الجنوب؛ فالتنمية تحتاج إلى استقرار وقرار محلي واضح لاتخضع لأي املاءات اووصايه خارجيه بل تحتاج لمؤسسات قادرة على التخطيط والاستثمار، بينما أدى استمرار الصراع على النفوذ إلى تعطيل كثير من المسارات التي كان يمكن أن تفتح الباب أمام إعادة بناء الاقتصاد وتحسين الخدمات.
وفي هذا السياق، تبرز انتقادات أوسع للأداء السعودي في إدارة الملف، إذ خلص تحليل لمؤسسة كارنيغي إلى أن المقاربة الأمنية التي اتبعتها السعودية في اليمن لم تحقق أهدافها الأساسية خلال السنوات الأولى من الحرب، وأن استمرار الحرب ساهم في تعقيد المشهد السياسي والعسكري بدلاً من الوصول إلى تسوية مستقرة. 

وتزداد حدة هذا الجدل مع التطورات الأخيرة في سبتمبر 2026، حيث شهدت الساحة اليمنية تصعيداً عسكرياً كبيراً، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية في مسقط. وذكرت تقارير حديثة أن وساطة عُمانية دخلت على خط الاتصالات المتعلقة بالتصعيد بين السعودية والحوثيين، فيما تحدث معهد دراسة الحرب عن تقارير بشأن عرض سعودي لهدنة لمدة أسبوعين عبر وسطاء عُمانيين، مع حديث عن إمكانية الانتقال لاحقاً إلى اتفاق أشمل. وهذه المعلومات وردت في تقارير وتحليلات، بينما لا تتطابق الروايات الرسمية بشأن طبيعة الاتصالات، إذ سبق لمسؤول سعودي أن نفى في أغسطس وجود محادثات سعودية مع الحوثيين في مسقط.
وبالتوازي، أكدت تقارير أخرى أن سلطنة عُمان استضافت اتصالات مباشرة بين مسؤولين أمريكيين وممثلين عن الحوثيين، في إطار محاولة تثبيت وقف إطلاق النار وحماية الملاحة في البحر الأحمر، ما يؤكد أن مسقط أصبحت إحدى أبرز قنوات الوساطة في الملف اليمني والإقليمي.
 
وهنا يطرح الشارع الجنوبي سؤالاً سياسياً واسعاً: كيف يمكن أن تنتقل المنطقة من مرحلة استنزاف طويلة إلى مرحلة بناء حقيقية، إذا ظلت الملفات العسكرية والأمنية هي التي تحدد اتجاه المشهد الاقتصادي والسياسي؟
فالجنوب، وفق هذا الطرح، لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق النار، وإنما إلى مسار يضع التنمية والخدمات والاستثمار وإعادة الإعمار في صدارة الأولويات، ويمنح أبناءه دوراً حقيقياً في إدارة مواردهم ومؤسساتهم، بعيداً عن تحويل مناطقهم إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية.
كما أن اللجوء إلى الوساطة العُمانية، أياً كانت تفاصيلها، يعكس أن الأزمة وصلت إلى مرحلة أصبح فيها المسار الدبلوماسي ضرورة موازية للمسار العسكري. غير أن أي تهدئة لا تعني بالضرورة حل جذور الأزمة؛ فالهدنة قد توقف القتال مؤقتاً، لكنها لا تجيب وحدها عن الأسئلة المتعلقة بمستقبل الجنوب، وشكل الدولة، وترتيبات السلطة والثروة، وضمانات الأمن والاستقرار.
ومن هذه الزاوية، يرى منتقدو السياسات السعودية أن المطلوب ليس مجرد هدنة جديدة تعيد إنتاج الترتيبات السابقة، بل مراجعة شاملة للسياسات التي حكمت المرحلة الماضية، وإفساح المجال أمام مسار تنموي وسياسي أكثر استقراراً، بحيث لا تكون التنمية ورقة مرتبطة بتوازنات القوى، ولا الخدمات وسيلة لإدارة الأزمات.
وتبقى الحقيقة الأبرز أن سنوات الحرب أثقلت الجنوب بتحديات اقتصادية وخدمية وسياسية عميقة، وأن استمرار الصراع لا يخدم التنمية ولا يفتح الطريق أمام الاستثمار وإعادة الإعمار. ولذلك فإن أي تسوية مستقبلية، إذا أريد لها أن تكون قابلة للاستمرار، ستحتاج إلى معالجة الأسباب السياسية والاقتصادية التي أبقت المنطقة في دائرة عدم الاستقرار، لا الاكتفاء بترتيبات مؤقتة لخفض التصعيد.
وفي المحصلة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: متى تتوقف الحرب؟ بل أيضاً: متى يبدأ الجنوب مرحلة البناء والتنمية، ومن يملك القرار في رسم مستقبله؟ وهذه الأسئلة ستظل حاضرة بقوة ما دام المسار السياسي لا يوازي المسار العسكري، وما دامت قضايا التنمية والاستقرار وحقوق السكان تبحث في هامش الصراع بدلاً من أن تكون في قلب أي تسوية قادمة.

فيديو