سقوط مشاريع الوصاية أمام يقظة الجنوبيين.. الوعي الشعبي يهزم محاولات مصادرة القرار

تقارير - منذ 5 ساعات

عين الجنوب || خاص                

تدخل القضية الجنوبية مرحلة جديدة تتجاوز فيها المعركة حدود الميدان إلى مساحة أوسع عنوانها الوعي الشعبي والقدرة على حماية القرار الوطني الجنوبي من محاولات المصادرة أو الالتفاف. فمع تراكم التجارب السياسية والعسكرية التي مر بها الجنوب، باتت قطاعات واسعة من أبنائه أكثر إدراكاً لطبيعة المشاريع التي تحاول إعادة إنتاج واقع سياسي يتجاهل تطلعاتهم، أو يضع قضيتهم في هامش التسويات التي تُرسم بعيداً عن إرادتهم.
ولم يعد المشهد الجنوبي اليوم كما كان في مراحل سابقة، حين كانت بعض المشاريع السياسية قادرة على تقديم نفسها باعتبارها حلولاً نهائية أو خيارات لا بديل عنها. فقد أظهرت السنوات الماضية أن أي مشروع يتجاهل إرادة الجنوبيين، أو يحاول فرض ترتيبات سياسية من خارج إرادتهم، يصطدم سريعاً بحقيقة اجتماعية وسياسية بات من الصعب تجاوزها، تتمثل في اتساع الوعي بالقضية الجنوبية وتمسك قطاعات واسعة بحقها في تقرير مستقبلها.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج سنوات من الأحداث والتضحيات والتحولات التي جعلت القضية الجنوبية حاضرة في الوعي العام. فكلما ظهرت محاولات لإعادة إنتاج مشاريع قديمة بأسماء جديدة، برز في المقابل صوت شعبي يطالب بأن يكون الجنوبيون طرفاً أصيلاً في تحديد مستقبلهم، لا مجرد طرف يُطلب منه قبول نتائج تسويات تُصنع على طاولات الآخرين.
وتكمن أهمية هذا الوعي في أنه بات يشكل خط دفاع سياسي أمام المشاريع التي تقوم على تجاوز الإرادة الشعبية. فالقضايا الكبرى لا تُحسم فقط بالبيانات والاتفاقيات، وإنما بمدى قدرتها على التعبير عن تطلعات الناس ومصالحهم. وحين تصبح هذه التطلعات أكثر وضوحاً وترسخاً في الوعي الشعبي، يصبح من الصعب تمرير حلول لا تنسجم معها مهما تعددت مسمياتها أو الجهات التي تقف خلفها.
وفي الجنوب، ارتبط هذا الوعي أيضاً بما شهدته الساحة من تضحيات عسكرية وأمنية وسياسية، حيث يرى كثير من الجنوبيين أن تلك التضحيات لا يمكن فصلها عن مستقبل قضيتهم، وأن ما تحقق على الأرض يجب أن يجد انعكاساً في أي مسار سياسي قادم. ومن هنا تتزايد المطالب بأن تكون الانتصارات والتضحيات مدخلاً لبناء ترتيبات سياسية تحفظ مصالح الجنوبيين، بدلاً من استخدامها كورقة في تسويات لا تمنح القضية الجنوبية موقعها الحقيقي.
كما أن التحولات الإقليمية والدولية جعلت مسألة الجنوب أكثر ارتباطاً بالملفات الأمنية والاستراتيجية في المنطقة، خصوصاً ما يتعلق بأمن السواحل وخطوط الملاحة ومضيق باب المندب. وهو ما يجعل تجاهل الواقع السياسي والاجتماعي في الجنوب أمراً أكثر تعقيداً، في ظل الحاجة إلى ترتيبات مستقرة تستند إلى القوى الموجودة على الأرض وإلى تفاهمات سياسية قابلة للاستمرار.
وفي المقابل، فإن سقوط بعض المشاريع لا يعني بالضرورة انتهاء محاولات إعادة تقديمها بصيغ مختلفة؛ فالمشهد السياسي بطبيعته متغير، والمشاريع التي تتراجع في مرحلة قد تعود في مرحلة أخرى بعناوين جديدة. ولذلك فإن العامل الحاسم يبقى في قدرة المجتمع على قراءة التطورات بوعي، والتمييز بين المبادرات التي تستجيب لمصالحه وتلك التي تسعى إلى إعادة إنتاج ترتيبات تجاوزها الزمن.
ومن هنا تبرز مسؤولية النخب والقوى السياسية الجنوبية في الحفاظ على الخطاب المتزن، وتوحيد الأولويات، وتحويل الوعي الشعبي إلى عمل سياسي منظم، بعيداً عن الخلافات التي يمكن أن تستنزف الطاقات وتشتت البوصلة. فالقضية الجنوبية، مهما بلغت قوة حضورها الشعبي، تحتاج إلى مؤسسات سياسية قادرة على ترجمة هذا الحضور إلى رؤية واضحة ومشروع متكامل للدولة والإدارة والاقتصاد والأمن والعلاقات الإقليمية والدولية.
إن المرحلة المقبلة لا تبدو مناسبة لإعادة إنتاج الصراعات القديمة، بقدر ما تحتاج إلى قراءة واقعية للمتغيرات والاعتراف بأن إرادة الشعوب لا يمكن تجاوزها إلى ما لا نهاية. فكل مشروع سياسي لا يأخذ مصالح الجنوبيين وتطلعاتهم بعين الاعتبار سيظل أمام اختبار حقيقي مع واقع جديد تشكل عبر سنوات من التحولات.
وبينما تتساقط المشاريع التي فقدت قدرتها على إقناع الشارع، يتقدم الوعي الجنوبي باعتباره أحد أبرز العوامل المؤثرة في رسم المستقبل. فالمعادلة لم تعد تقوم فقط على من يملك المنابر أو أدوات التأثير السياسي، وإنما على من يستطيع تقديم مشروع يحظى بالقبول ويستجيب لتطلعات الناس ويحافظ على أمنهم واستقرارهم وحقوقهم.
وفي نهاية المطاف، فإن يقظة الجنوبيين وارتفاع مستوى الوعي بالقضية يمثلان عاملاً أساسياً في حماية القرار السياسي من محاولات الاحتواء أو الوصاية. وكلما ازداد المجتمع قدرة على فهم مصالحه وتحديد أولوياته، تراجعت فرص تمرير المشاريع التي تتناقض مع إرادته، وأصبح المستقبل أكثر ارتباطاً بما يريده أصحاب القضية أنفسهم، لا بما يُرسم لهم من خارجها.
وهكذا، فإن سقوط المشاريع التي تتجاهل الإرادة الجنوبية لا يمثل مجرد نهاية لمرحلة سياسية، بل يعكس تحولاً أعمق في الوعي العام: الجنوب الذي خبر سنوات الصراع والتسويات بات أكثر تمسكاً بحقه في أن يكون شريكاً حقيقياً في صناعة مستقبله، وأن تُبنى أي تسوية قادمة على أساس الاعتراف بإرادته ومصالحه وحقه في تقرير مصيره.

فيديو