عودة الدولتين تقترب من واجهة المشهد.. خيار سياسي يفرض نفسه بعد سنوات من تعقّد الأزمة

تقارير - منذ 5 ساعات

عين الجنوب || خاص              

بعد سنوات طويلة من الحرب والصراع السياسي والعسكري، تبدو فكرة العودة إلى صيغة الدولتين وقد عادت مجدداً إلى واجهة النقاش السياسي، باعتبارها أحد الخيارات المطروحة لمعالجة جذور الأزمة، في ظل تعثر التسويات التي حاولت تجاوز القضية الجنوبية أو تأجيلها إلى مراحل لاحقة.
فالمشهد لم يعد كما كان عند بداية الحرب، والوقائع التي تشكلت على الأرض خلال السنوات الماضية جعلت من الصعب التعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها ملفاً هامشياً يمكن ترحيله من اتفاق إلى آخر. فقد تحولت القضية إلى عنوان سياسي حاضر في النقاشات المحلية والإقليمية والدولية، بالتوازي مع استمرار المطالب الجنوبية المتعلقة بالهوية والتمثيل السياسي وتحديد شكل الدولة ومستقبل العلاقة بين الجنوب والشمال.
وتأتي فكرة الدولتين في سياق أوسع من مجرد إعادة رسم صيغة سياسية قديمة، إذ يطرح أنصار هذا الخيار أن معالجة جذور الصراع تتطلب الاعتراف بتعدد القضايا والمصالح داخل الجغرافيا السياسية التي تشكلت منذ عام 1990، بدلاً من الاستمرار في إنتاج تسويات مؤقتة لا تعالج أسباب النزاع الأساسية.
وخلال السنوات الماضية، أظهرت التطورات العسكرية والسياسية أن أي مسار تفاوضي يتجاهل الأطراف المؤثرة على الأرض يظل معرضاً للتعثر. فالقوة العسكرية وحدها لم تتمكن من إنتاج تسوية مستقرة، كما أن الاتفاقات السياسية التي لا تحظى بقبول الأطراف الرئيسية تواجه صعوبات كبيرة في التنفيذ، بينما بقيت القضايا المرتبطة بمستقبل الجنوب حاضرة في مختلف مراحل الصراع.
وفي هذا السياق، تبرز الدعوات إلى أن تكون أي تسوية شاملة قائمة على حوار سياسي حقيقي يحدد شكل الدولة والعلاقة بين مكوناتها، بدلاً من الاكتفاء بترتيبات مؤقتة لتقاسم السلطة. ويضع هذا الطرح قضية الجنوب في صلب الحل السياسي، وليس في هامشه، باعتبار أن أي اتفاق مستدام يحتاج إلى معالجة الملفات التي راكمتها سنوات الصراع.
كما أن التطورات الإقليمية المرتبطة بأمن البحر الأحمر وباب المندب تضيف بعداً آخر إلى النقاش. فالموقع الجغرافي للجنوب، وامتداده على خطوط الملاحة الدولية، يجعل الاستقرار السياسي والأمني في مناطقه الساحلية قضية تتجاوز الحسابات المحلية، وترتبط بأمن الملاحة والتجارة الدولية في المنطقة.
ومن هنا، فإن الحديث عن الدولتين لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره عودة إلى صيغة تاريخية، وإنما باعتباره نقاشاً حول كيفية بناء نظام سياسي أكثر استقراراً، يراعي الواقع السياسي والاجتماعي والجغرافي الذي تشكل خلال العقود الماضية.
ويرى مؤيدو هذا المسار أن استمرار محاولة فرض صيغة سياسية واحدة على واقع متعدد المصالح قد يبقي الأزمة مفتوحة، بينما يمكن أن يتيح الاعتراف بالتباينات القائمة الانتقال من إدارة الصراع إلى البحث عن ترتيبات سياسية أكثر قابلية للاستمرار.
وفي المقابل، فإن الوصول إلى أي صيغة جديدة يظل مرتبطاً بحوار سياسي واسع، وضمانات إقليمية ودولية، وترتيبات واضحة بشأن الحدود والموارد والمؤسسات والأمن والاقتصاد، بما يمنع تحول أي تغيير سياسي إلى مصدر جديد للصراع.
وبذلك، تعود «الدولتان» إلى النقاش ليس بوصفها مجرد شعار سياسي، وإنما كأحد الخيارات التي يطرحها الواقع المتغير أمام الأطراف المعنية. وبينما لا تزال مواقف القوى المختلفة متباينة بشأن شكل الدولة ومستقبلها، فإن استمرار الحرب وتعثر التسويات يضعان الجميع أمام حقيقة أساسية: لا يمكن بناء سلام دائم من دون معالجة جذور الأزمة، ولا يمكن تجاوز القضية الجنوبية بمجرد تأجيلها من مرحلة تفاوضية إلى أخرى.
ويبقى السؤال المطروح أمام المسار السياسي هو ما إذا كانت القوى المحلية والإقليمية والدولية ستتعامل مع الوقائع الجديدة باعتبارها مدخلاً لإعادة صياغة الحل، أم ستستمر في محاولة إنتاج تسويات مؤقتة تعيد تدوير الأزمة نفسها.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو العودة إلى خيار الدولتين واحدة من أكثر الأفكار حضوراً في النقاش حول مستقبل المنطقة، بينما يبقى تحديد شكلها النهائي وآليات الوصول إليها رهناً بحوار سياسي شامل يضمن حق الأطراف في التعبير عن خياراتها، ويضع أسساً واضحة لمرحلة جديدة أكثر استقراراً.

فيديو