السعودية وخيار النجاه. هل أصبح التصالح مع الإمارات والقوى الجنوبية مفتاح الخروج من المستنقع اليمني

السياسة - منذ ساعتان

عين الجنوب || خاص                  

تدخل الأزمة اليمنية مرحلة أكثر تعقيدًا، في ظل استمرار الحرب وتعدد مراكز النفوذ وتباين أولويات القوى المحلية والإقليمية. وفي خضم هذا المشهد، يبرز تساؤل أساسي أمام السعودية: هل يمكن تحقيق اختراق حقيقي في الملف اليمني من خلال الأدوات العسكرية وحدها، أم أن الطريق إلى تسوية أكثر استدامة يمر أولًا عبر إعادة ترتيب شبكة الحلفاء والقوى الموجودة على الأرض؟
يرى مؤيدو هذا الطرح أن أي مقاربة سعودية جديدة في اليمن تحتاج إلى إعادة بناء التفاهمات مع الإمارات، وإعادة الاعتبار إلى المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات الجنوبية، إلى جانب توحيد القوى المناهضة للحوثيين على امتداد الساحل والجبهات الأخرى. وبحسب هذا التصور، فإن امتلاك شبكة متماسكة من الحلفاء المحليين قد يمنح الرياض أوراقًا تفاوضية أكبر عند الدخول في أي مسار سياسي مع جماعة الحوثي.
وتنبع أهمية هذا الطرح من حقيقة أن الحرب اليمنية لم تعد مواجهة عسكرية تقليدية بين طرفين واضحين، بل تحولت إلى صراع متعدد الأطراف، تتداخل فيه الحسابات المحلية مع المصالح الإقليمية والدولية. ولذلك فإن أي استراتيجية لا تأخذ في الاعتبار طبيعة القوى الموجودة ميدانيًا، وتوازناتها ومصالحها، ستواجه صعوبة في تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية مستقرة.
وفي هذا السياق، تمثل العلاقة السعودية الإماراتية أحد الملفات الأكثر حساسية في المشهد اليمني. فالدولتان دخلتا الحرب ضمن تحالف واحد، لكن السنوات اللاحقة كشفت عن اختلافات في الأولويات والتعامل مع القوى اليمنية المختلفة. ومن هنا، فإن إعادة تنسيق المواقف بين الرياض وأبوظبي، وفق رؤية مشتركة للمرحلة المقبلة، يمكن أن تشكل عنصرًا مهمًا في أي إعادة ترتيب للمشهد المناهض للحوثيين.
أما المجلس الانتقالي الجنوبي، فقد أصبح خلال السنوات الماضية طرفًا رئيسيًا في المعادلة السياسية والعسكرية في الجنوب . كما أن القوات الجنوبية المرتبطة به تمتلك حضورًا ميدانيًا في عدد من المناطق، الأمر الذي يجعل تجاهل هذا الواقع، وفق أنصار إعادة ترتيب التحالفات، أمرًا يصعب معه بناء جبهة موحدة وفعالة.
ولا يتعلق الأمر، في هذا التصور، بمنح طرف واحد تفويضًا مفتوحًا، بقدر ما يتعلق بإعادة صياغة العلاقة بين مختلف القوى المناهضة للحوثيين على أساس المصالح والمهام والضمانات السياسية. فالجبهة الموحدة لا تعني بالضرورة إزالة الخلافات، وإنما إيجاد حد أدنى من التفاهم يسمح بإدارة المعركة والتفاوض من موقع أكثر تماسكًا.
ويبرز الساحل الغربي كذلك باعتباره إحدى ساحات الصراع التي تحتاج إلى تنسيق أكبر. فتعدد التشكيلات والقوى والأجندات على امتداد الساحل يطرح تحديًا أمام أي استراتيجية تسعى إلى تحويل هذه الجبهة إلى ورقة ضغط سياسية وعسكرية. ومن ثم، فإن توحيد القرار والتنسيق بين القوى الموجودة هناك قد يساهم في تعزيز قدرتها على أداء دور أكثر فاعلية ضمن أي تسوية مستقبلية.
في المقابل، يظل الخيار العسكري محفوفًا بتحديات كبيرة. فزيادة الإنفاق على المعدات والطائرات لا تضمن وحدها تحقيق أهداف سياسية، خصوصًا في حرب طويلة ومعقدة تتغير فيها موازين القوى بصورة مستمرة. وقد أظهرت التجربة اليمنية أن التفوق في القدرات العسكرية لا يؤدي تلقائيًا إلى حسم الصراع، ما لم يرافقه تصور سياسي واضح وشراكات محلية قادرة على ترجمة القوة العسكرية إلى نفوذ مستدام.
ومن هنا يأتي الحديث عن التفاوض مع الحوثيين من «موقع قوة». والمقصود بذلك، وفق هذا الطرح، ليس بالضرورة العودة إلى خيار التصعيد المفتوح، وإنما امتلاك أوراق ضغط حقيقية قبل الدخول في أي مفاوضات، بحيث لا تكون المفاوضات مجرد استجابة لضغوط ميدانية، بل جزءًا من استراتيجية متكاملة تجمع بين العمل السياسي والعسكري والدبلوماسي.
لكن نجاح مثل هذه المقاربة سيظل مرتبطًا بقدرة الأطراف المناهضة للحوثيين على معالجة خلافاتها الداخلية. فالمشكلة لا تكمن فقط في حجم القوة المتاحة، وإنما في كيفية إدارتها وتوزيع أدوارها، وفي مدى وجود مشروع سياسي يستطيع استيعاب التباينات بين القوى اليمنية المختلفة.
وفي نهاية المطاف، تبدو المعادلة اليمنية أكثر تعقيدًا من أن تُحسم بشراء مزيد من السلاح أو تكثيف الضغوط العسكرية وحدها. فالحروب الطويلة تُدار أيضًا عبر التحالفات، والشرعية السياسية، والقدرة على بناء تفاهمات محلية وإقليمية قابلة للاستمرار.
وعليه، فإن السؤال الذي يواجه السعودية اليوم ليس فقط: كم طائرة إضافية يمكن استخدامها؟ وإنما: من هم الحلفاء القادرون على ترجمة أي استراتيجية على الأرض، وما هو الإطار السياسي الذي يمكن أن يجمعهم؟
وبينما يستمر الصراع اليمني في استنزاف الأطراف المختلفة، تبدو إعادة ترتيب التحالفات، وتوحيد الجبهات، وفتح قنوات تفاوض مدعومة بأوراق قوة، خيارات مطروحة على الطاولة. أما تحويل هذه الخيارات إلى نتائج فعلية، فيبقى مرهونًا بقدرة الرياض وحلفائها على تجاوز الخلافات وإنتاج رؤية مشتركة للمرحلة المقبلة، بدل الاستمرار في إدارة الأزمة بأدوات متفرقة ومسارات متوازية.

فيديو