تفاهمات الرياض وطهران تحت المجهر.. الجنوب ليس ورقة للمساومة وإرادة شعبه فوق كل الاعتبارات

تقارير - منذ 5 ساعات

عدن || عين الجنوب|| خاص:
في خضم التحركات السياسية والتفاهمات الإقليمية بين الرياض وطهران، تبرز القضية الجنوبية بوصفها واحدة من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في المشهد ، وسط تساؤلات متزايدة بشأن موقع تطلعات شعب الجنوب في أي تفاهمات أو تسويات سياسية قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة. فمهما بلغت أهمية التقارب الإقليمي في خفض التصعيد واحتواء الصراعات، فإن تلك التفاهمات لا يمكن أن تكتسب شرعية سياسية مستدامة إذا تجاهلت إرادة الجنوبيين، أو تعاملت مع قضيتهم باعتبارها ملفًا ثانويًا قابلًا للتأجيل أو المساومة.

إن أي تقارب بين المملكة العربية السعودية وإيران قد يفتح الباب أمام ترتيبات إقليمية جديدة، ويمنح المنطقة فرصة لإعادة النظر في مسارات الصراع الممتدة منذ سنوات، غير أن نجاح هذه الترتيبات يظل مرتبطًا بمدى قدرتها على معالجة جذور الأزمات، لا الاكتفاء بإبرام تفاهمات فوقية تعالج المصالح الإقليمية بمعزل عن تطلعات الشعوب والقوى الفاعلة على الأرض. ومن هذا المنطلق، فإن قضية شعب الجنوب تفرض نفسها بوصفها قضية سياسية ذات أبعاد وطنية وتاريخية، لا يجوز تجاوزها عند البحث عن حلول للأزمة اليمنية أو رسم مستقبل المنطقة.


ويرى مراقبون أن أي تسوية سياسية تتعلق باليمن دون وضع القضية الجنوبية في صدارة النقاشات الجادة ستظل عرضة للتعثر، لأن تجاهل مطالب الجنوبيين لا يؤدي إلى إنهاء الأزمة بقدر ما يفاقم أسبابها، ويعيد إنتاج الصراع بأشكال مختلفة. فالتجارب السياسية في المنطقة أظهرت أن الاتفاقات التي لا تستند إلى قبول الأطراف المعنية، ولا تراعي تطلعات المجتمعات المحلية، غالبًا ما تواجه تحديات كبيرة عند الانتقال من طاولة المفاوضات إلى واقع التنفيذ.
ومن هنا، فإن الرسالة التي ينبغي أن تكون واضحة أمام الرياض وطهران، وسائر العواصم المعنية بالملف اليمني، تتمثل في أن الجنوب ليس مساحة مفتوحة لتبادل المصالح، ولا ورقة يمكن توظيفها في مفاوضات إقليمية لتحقيق مكاسب متبادلة على حساب أبنائه. فالجنوبيون، بمختلف مكوناتهم السياسية والاجتماعية، معنيون بصورة مباشرة بأي ترتيبات تمس مستقبل أرضهم وقرارهم السياسي وأمنهم واستقرارهم، ومن ثم فإن أي مسار تفاوضي جاد ينبغي أن يأخذ تطلعاتهم ومواقفهم بعين الاعتبار.
ولا يعني ذلك أن الجنوبيين يقفون ضد التفاهمات الإقليمية أو جهود التهدئة، بل إن الاستقرار الحقيقي يمثل مصلحة للجميع، شريطة ألا يتحول التقارب بين القوى الإقليمية إلى مدخل لفرض حلول جاهزة على الجنوب، أو إعادة ترتيب المشهد السياسي بطريقة تنتقص من حق أبنائه في المشاركة الفعلية في تقرير مستقبلهم. فالدبلوماسية التي تنجح في تخفيف التوترات بين الدول مطالبة أيضًا بإيجاد مقاربات عادلة للقضايا الداخلية التي ظلت سببًا رئيسيًا في استمرار النزاعات.


وفي هذا السياق، تكتسب الشفافية أهمية استثنائية، إذ إن الغموض المحيط بأي تفاهمات إقليمية، وما قد يترتب عليها من تفاهمات بشأن الملف اليمني، يفتح المجال أمام المخاوف والتأويلات. ولذلك، فإن تبديد هذه المخاوف يتطلب مواقف واضحة تؤكد أن القضية الجنوبية لن تكون محل تسويات سرية، وأن أي ترتيبات سياسية مستقبلية لن تُفرض على الجنوبيين من خارج إرادتهم، بل ينبغي أن تقوم على حوار جاد يضمن مشاركة ممثليهم الحقيقيين، ويتيح لهم التعبير عن رؤيتهم لمستقبل قضيتهم.

كما أن مسؤولية القوى الجنوبية نفسها تظل حاضرة بقوة في هذه المرحلة، إذ يتطلب التعامل مع المتغيرات الإقليمية تعزيز وحدة الصف، وتجاوز الخلافات الداخلية، وبناء موقف سياسي متماسك يستطيع الدفاع عن المطالب الجنوبية في مختلف المحافل. فكلما ازدادت وحدة الموقف الجنوبي ووضوح رؤيته السياسية، تراجعت فرص تجاوزه في الحسابات الإقليمية، وأصبح حضوره أكثر تأثيرًا في أي مفاوضات تتناول مستقبل المنطقة.

وفي المقابل، فإن استقرار الجنوب لا يرتبط بالمواقف السياسية وحدها، بل يتطلب أيضًا تعزيز الأمن، وتحسين الأوضاع المعيشية، وتطوير مؤسسات الإدارة والخدمات، بما يعزز ثقة المواطنين بقدرة القوى السياسية على حماية مصالحهم. فالقضية الجنوبية ليست مجرد شعار سياسي يُرفع في أوقات التفاوض، وإنما هي مسؤولية تتصل بحياة المواطنين وحقوقهم وتطلعاتهم إلى مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة.
وتبرز كذلك أهمية أن تتعامل الأطراف الإقليمية مع الجنوب باعتباره طرفًا حاضرًا في معادلة الاستقرار، لا مجرد ساحة تتقاطع فيها المصالح المتنافسة. فالموقع الجغرافي للجنوب وأهميته البحرية والاقتصادية والأمنية يجعل استقراره عاملًا مؤثرًا في أمن المنطقة والممرات المائية، الأمر الذي يستدعي مقاربة سياسية واقعية تقوم على الشراكة واحترام الإرادة المحلية، بدلًا من الاعتماد على تسويات قد تحقق هدوءًا مؤقتًا وتترك أسباب الصراع قائمة.


إن أي تفاهمات بين الرياض وطهران، مهما كانت نتائجها، لا يمكن أن تحسم مستقبل القضية الجنوبية بمعزل عن أصحابها، كما لا يمكن اختزال تطلعات شعب الجنوب في حسابات المصالح الإقليمية وحدها. فالتقارب بين الدول قد يفتح أبوابًا جديدة للحوار، لكنه لا يغني عن معالجة القضايا الوطنية معالجة عادلة، ولا يمنح أي طرف الحق في تقرير مصير الآخرين دون مشاركتهم وقبولهم.
وفي المحصلة، فإن المعيار الحقيقي لنجاح أي تفاهمات إقليمية لا يتمثل فقط في قدرتها على خفض التصعيد أو إعادة ترتيب العلاقات بين العواصم، بل في مدى إسهامها في بناء سلام مستدام يعالج جذور الأزمات ويحترم تطلعات الشعوب. وبالنسبة إلى الجنوب، فإن أي مسار سياسي لا يضع قضيته في الاعتبار، ولا يحترم إرادة أبنائه، سيظل مسارًا ناقصًا مهما حظي من دعم إقليمي أو دولي.
فالجنوب ليس بندًا هامشيًا في تفاهمات الرياض وطهران، ولا ورقة قابلة للتداول على طاولات المصالح؛ بل قضية سياسية لا يمكن تجاوزها عند البحث عن سلام مستدام. وأي اتفاق إقليمي لن يكون ضمانة للاستقرار ما لم يراعِ حقوق الجنوبيين وتطلعاتهم، ويمنحهم دورًا حقيقيًا في صياغة مستقبلهم.

فيديو