قضية شعب الجنوب حضور دائم ومحاولات التغييب تتهاوى أمام التاريخ وتجليات الحاضر

السياسة - منذ 1 ساعة

عدن ، عين الجنوب || خاص

لم تعد قضية شعب الجنوب ملفاً يمكن إغلاقه بقرار سياسي أو تجاوزها عبر ترتيبات تتجاهل إرادة شعب الجنوب وتطلعاته الوطنية، بل أصبحت حقيقة سياسية راسخة تفرض حضورها على مختلف المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فمهما تعددت محاولات الإقصاء والتهميش، يؤكد واقع الأحداث أن الجنوب لا يزال حاضراً بقضيته وقياداته، وأن إرادة شعبه عصية على المحو من المشهد بمجرد مواقف عابرة.
وفي تطور لافت يعكس استمرار هذا الحضور في النقاشات السياسية والإعلامية، شهدت الساحة الإعلامية في ليلة واحدة ظهور ثلاثة وجوه جنوبية عبر منصات دولية وإقليمية متباينة في توجهاتها وحساباتها السياسية. فقد أطل عمرو البيض في لقاء مع مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وظهر هاني بن بريك عبر قناة "سكاي نيوز عربية"، فيما أطل أنور التميمي على شاشة "الجزيرة" القطرية، في مشهد أثار تساؤلات عريضة حول دلالاته وتوقيته.
هذا الحضور المتزامن يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع بشأن قدرة الأطراف التي راهنت على تغييب المجلس الانتقالي الجنوبي وقياداته على تجاوز واقع يفرض نفسه بقوة. فكيف يمكن الحديث عن انتهاء دور المجلس، بينما تواصل قياداته الظهور في النقاشات الإعلامية والسياسية، وتخاطب الرأي العام الإقليمي والدولي، وتطرح القضية الجنوبية على طاولة الحوار؟
إن تعدد المنصات المستضيفة للشخصيات الجنوبية واختلاف طبيعة هذه المنابر يضعان القضية الجنوبية أمام واقع جديد يتجاوز الحدود الجغرافية المحلية. فالصوت الجنوبي لم يعد محصوراً في نطاق معين، بل بات قادراً على الوصول إلى مساحات إعلامية وسياسية مختلفة، وهو ما يعكس استمرار حضور القضية في الوعي العام رغم محاولات التشكيك في مكانتها أو التقليل من تأثيرها.
ويكتسب ظهور أنور التميمي على شاشة "الجزيرة" أهمية خاصة في ظل الجدل الذي رافق تغطية القناة للقضية الجنوبية خلال السنوات الماضية، وما ارتبط بذلك من انتقادات بشأن المساحة التي مُنحت لخطاب جماعة الإخوان المسلمين وحزب الإصلاح اليمني. غير أن حضور الصوت الجنوبي على هذه المنصة يطرح تساؤلات حول طبيعة التحولات الإعلامية، وما إذا كان الأمر يعكس تغيراً في التعامل مع القضية الجنوبية، أم أنه استجابة لواقع سياسي بات من الصعب تجاهله.
وفي جميع الأحوال، تظل القضية الجنوبية أكبر من أن تُختزل في مقابلة تلفزيونية أو ظهور إعلامي، كما لا تتوقف على موقف قناة أو مؤسسة. فجوهر القضية يرتبط بتاريخ طويل من الصراع والتضحيات، وبمطالب سياسية ووطنية تتجاوز حدود الخطاب الإعلامي لتصل إلى عمق الهوية والحقوق والتطلعات المستقبلية لشعب الجنوب.
ومنذ حرب عام 1994، تحمل الذاكرة الجنوبية الكثير من الجراح، وما زالت تداعيات تلك المرحلة حاضرة في الوعي السياسي والاجتماعي. وقد تراكمت على مدى السنوات اتهامات ومواقف متباينة بشأن الإقصاء والانتهاكات، إلى جانب خلافات سياسية لم تنتهِ بمجرد تبدل التحالفات أو تغير الخطاب الإعلامي، وهو ما يجعل أي محاولة لتجاوز هذه الملفات دون معالجة حقيقية عاجزة عن تقديم حلول مستدامة.
وتؤكد التجارب المتعاقبة أن القضية الجنوبية لا يمكن التعامل معها باعتبارها ورقة سياسية قابلة للاستخدام المؤقت أو ملفاً يُفتح ويُغلق وفقاً لمصالح الأطراف المختلفة. فالقضية ترتبط بإرادة شعب وتضحيات أجيال، ولا يمكن أن تكون المناصب أو الترتيبات السياسية بديلاً عن معالجة جذورها أو وسيلة لتجاوز مطالبها الأساسية.
كما أن حضور المجلس الانتقالي الجنوبي في النقاشات السياسية والإعلامية يعيد طرح سؤال جوهري حول طبيعة أي تسوية مستقبلية: هل يمكن الوصول إلى حل مستقر دون مشاركة جنوبية حقيقية ودون الاعتراف بخصوصية القضية ومطالب شعبها؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تظل مفتاحاً لفهم تعقيدات المشهد، لأن أي مسار يتجاهل الجنوب سيظل معرضاً للاختلال والفشل.
وفي المقابل، يبرز التحدي الأكبر أمام القوى الجنوبية والمتمثل في تحويل الحضور الإعلامي والسياسي إلى موقف موحد ورؤية واضحة، قادرة على التعبير عن تطلعات الشارع الجنوبي وتعزيز التماسك الداخلي. فالحضور الخارجي، مهما اتسع، لا يكتمل أثره دون قوة داخلية تستند إلى وحدة الصف ووضوح الهدف والتمسك بالمطالب المشروعة.
إن ما شهدته تلك الليلة يعيد التأكيد على حقيقة سياسية موجزها: الجنوب حاضر، وقضيته ما زالت مفتوحة، وإرادة شعبه لا تنتهي بانتهاء مرحلة أو تغير موازين القوى. فمحاولات التغييب قد تنجح في تعطيل بعض المسارات مؤقتاً، لكنها لا تستطيع إلغاء قضية تشكلت عبر تاريخ طويل من النضال والتضحيات.

وفي النهاية، فإن مستقبل الجنوب لن تحدده الحملات الإعلامية أو القرارات المعزولة عن واقع الأرض، بل ستحدده قدرة القوى السياسية على احترام تطلعات شعبه، والتعامل مع قضيته باعتبارها قضية وطنية تستحق حلاً عادلاً ومستداماً، بعيداً عن سياسات التهميش والإقصاء.

فيديو