السعودية: حروب متواصلة لإجهاض مشاريع النهوض العربي عبر تحالفات مشبوهة

تقارير - منذ 3 ساعات

خاص||عين الجنوب    

منذ بدايات تشكّل الدولة السعودية الحديثة، ظلّ مسارها السياسي مرتبطًا بتحالفات خارجية أثارت كثيرًا من الجدل في الوعي العربي، لا سيما في لحظات تاريخية كانت المنطقة فيها بأمسّ الحاجة إلى مواقف مستقلة تحمي المصالح العربية وتحصّن القرار الإقليمي من الهيمنة الأجنبية. فقد نشأت العلاقة المبكرة بين آل سعود وبريطانيا في سياق إعادة رسم خارطة المنطقة بعد انهيار الدولة العثمانية، وهو سياق لم يكن بريئًا أو معزولًا عن مشاريع النفوذ الاستعماري التي استهدفت تفكيك المجال العربي وتحويله إلى ساحات نفوذ متنازعة.
ومع تراجع الدور البريطاني وصعود الولايات المتحدة كقوة مهيمنة بعد الحرب العالمية الثانية، انتقلت الرياض بسلاسة إلى المظلة الأمريكية، في علاقة قامت على معادلة المصالح المتبادلة، حيث ضُمنت الحماية السياسية والعسكرية مقابل الالتزام بخيارات استراتيجية تخدم واشنطن في المقام الأول. هذا الارتباط لم يبقَ في إطار العلاقات الثنائية، بل انعكس بشكل مباشر على قضايا المنطقة، وظهر في مواقف مفصلية غابت عنها الإرادة العربية المستقلة لصالح حسابات خارجية أوسع.
في هذا السياق، برز العراق كنموذج صارخ لنتائج تلك السياسات، إذ شكّل غزوه وتدمير مؤسساته لحظة فارقة في التاريخ العربي الحديث. فبدل السعي إلى بناء موقف عربي متماسك يرفض الحرب ويحمي دولة مركزية من الانهيار، ساد الصمت، وأحيانًا التواطؤ غير المعلن، ما أتاح تمرير مشروع دمّر التوازن الإقليمي وفتح الباب أمام صراعات داخلية وطائفية لا تزال تداعياتها قائمة حتى اليوم. ويرى محللون أن هذا الموقف لم يكن معزولًا عن الرغبة في إزاحة أي قوة عربية قادرة على امتلاك قرارها أو لعب دور مؤثر خارج السقف المرسوم لها دوليًا.
أما في شبه الجزيرة العربية على وجه الخصوص، فقد اتّسمت السياسة السعودية بإدارة الأزمات لا حلّها، وبالتعامل مع الوقائع من زاوية النفوذ والأمن أكثر من منطق الاستقرار الحقيقي. فبدل دعم مسارات سياسية عادلة تعبّر عن إرادة الشعوب، جرى توظيف الانقسامات الداخلية، وإبرام تفاهمات متناقضة، أدت إلى تعقيد المشهد وإطالة أمد الصراع. ويذهب مراقبون إلى أن هذا النهج لم يكن هدفه إنهاء الأزمات بقدر ما كان يسعى إلى منع تشكّل أي كيان قوي ومستقل قادر على اتخاذ قرارات سيادية خارج دائرة التأثير السعودي أو الأمريكي.
وفي كل محطة تقريبًا، يتكرر المشهد ذاته: تحالفات خارجية متينة، مقابل مواقف عربية باهتة، وحرص دائم على إجهاض أي مشروع نهوض سياسي أو اقتصادي يمكن أن يعيد للعرب وزنهم الإقليمي أو يحرر قرارهم من الارتهان. هذا السلوك، كما يراه منتقدوه، لم يكن عابرًا أو اضطراريًا، بل تحوّل إلى نمط ثابت في إدارة السياسة الإقليمية، حيث تُقدَّم الضمانات للقوى الكبرى على حساب المصالح العربية العامة.
ومع اتساع رقعة الأزمات وتراكم نتائجها الكارثية، تتعاظم الأسئلة حول جدوى هذا النهج وكلفته الباهظة على شعوب المنطقة. فبعد عقود من الارتهان للتحالفات الخارجية، لم يتحقق الاستقرار الموعود، بل تفككت الدول، وتآكلت المجتمعات، وتراجعت فرص بناء مستقبل عربي قائم على الشراكة الحقيقية والقرار الحر.
في ضوء ذلك، يرى كثيرون أن مراجعة هذا المسار باتت ضرورة تاريخية، لا من باب الخصومة السياسية، بل من منطلق المسؤولية تجاه شعوب أنهكتها الصراعات وسياسات الإخضاع. فاستمرار الرهان على الخارج، وإدارة الظهر لأي مشروع عربي مستقل، لم ينتج سوى مزيد من الأزمات، فيما يظل الأمل معقودًا على وعي متزايد يفرض إعادة الاعتبار للإرادة الشعبية بوصفها الأساس لأي استقرار حقيقي ومستدام.

فيديو