بين نيران التهديدات وحدود الواقع… هل اصطدم دونالد ترامب بجدار إيران أم أنها لعبة الأمم المعتادة؟

تقارير - منذ 1 ساعة

عين الجنوب|| خاص:
في خضم التصعيد المتكرر والتصريحات النارية التي تخرج من واشنطن وترد عليها طهران بنبرة لا تقل حدّة، يبدو المشهد وكأنه على حافة انفجار كبير، لكن خلف هذا الضجيج السياسي تختبئ حسابات أكثر تعقيدًا من مجرد تهديد وردّ تهديد. فالعلاقة بين الولايات المتحدة وإيران لم تكن يومًا علاقة مباشرة يمكن حسمها بخطاب أو قرار مفاجئ، بل هي شبكة متداخلة من المصالح والردع المتبادل والرسائل غير المباشرة.
حين لوّح دونالد ترامب بخيارات قاسية، كان يدرك أن سقف التهديد هو أداة تفاوض بقدر ما هو استعراض للقوة، لكن الرد الإيراني الرافض لأي ضغوط، خاصة فيما يتعلق بـمضيق هرمز، أعاد طرح سؤال مهم: هل تجاوزت الأمور حدود المناورة إلى لحظة اختبار حقيقي للإرادات؟
في الواقع، لا يبدو أن طهران تتعامل مع هذا الملف بوصفه مجرد ورقة ضغط عابرة، بل كجزء من عقيدتها الاستراتيجية التي تقوم على تثبيت موقعها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها. ومن هنا، فإن أي حديث عن فرض شروط عليها في ممر بحري بحجم مضيق هرمز يُنظر إليه داخليًا كمساس بالسيادة، لا كخلاف سياسي قابل للمساومة. لكن في المقابل، تدرك القيادة الإيرانية أن تحويل التهديد إلى فعل قد يفتح أبواب مواجهة لا يمكن السيطرة عليها، ليس فقط مع الولايات المتحدة، بل مع العالم بأسره.
أما واشنطن، فهي الأخرى لا تتحرك بدافع رد الفعل اللحظي، بل وفق حسابات دقيقة تتعلق بأمن الطاقة العالمي وحرية الملاحة، وهي ملفات لا يمكن التهاون فيها. ومع ذلك، فإن التجارب السابقة أثبتت أن الولايات المتحدة تميل إلى إدارة الأزمات أكثر من تفجيرها، وتفضّل إبقاء الخصوم تحت الضغط المستمر بدل الدخول في مواجهة مفتوحة قد تكون كلفتها باهظة على الجميع.
من هنا، فإن تصوير الموقف على أنه “مأزق” وقع فيه دونالد ترامب قد يكون تبسيطًا مخلًا لمشهد شديد التعقيد. فالمواجهة بين الطرفين لا تُقاس بلحظة رفض أو تصريح حاد، بل بمدى قدرة كل طرف على فرض قواعد اشتباك جديدة دون الانزلاق إلى الحرب. وحتى الآن، لا يبدو أن أيًا منهما مستعد لدفع هذا الثمن.
الحقيقة الأكثر وضوحًا أن ما يجري هو أقرب إلى توازن ردع هش، حيث ترفع إيران سقف التحدي لتثبيت حضورها، فيما تواصل الولايات المتحدة استخدام أدوات الضغط لإبقاء خصمها ضمن حدود يمكن التحكم بها. وبين هذا وذاك، يبقى مضيق هرمز عنوانًا لصراع الإرادات، لا ساحةً لحسم نهائي.
وفي المحصلة، لا تبدو الصورة انتكاسة أمريكية بقدر ما هي فصل جديد من لعبة طويلة، تُدار فيها الأزمات بحذر شديد، وتُستخدم فيها التهديدات كوسيلة لرفع سقف التفاوض، لا كإعلان لحرب وشيكة. إنها لحظة توتر عالية، نعم، لكنها ما زالت محكومة بضوابط تمنع الانفجار، وتؤكد أن ما يُقال في العلن ليس دائمًا ما يُراد تنفيذه على الأرض.

فيديو