انتصار بلا نهاية… حين تربح القوى الكبرى المعارك وتخسر الحسم

أخبار دولية - منذ ساعتان

عدن ، عين الجنوب|| خاص

في مشهد إقليمي شديد التعقيد، تبدو نتائج المواجهة الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وكأنها تعيد إنتاج ذات المعادلة القديمة: انتصارات متبادلة على سطح الأحداث، وخسائر كامنة في عمق الاستراتيجية. كل طرف خرج ليعلن تفوقه، لكن الحقيقة الأكثر وضوحاً أن أحداً لم ينتصر بالمعنى الحاسم، وأن ما جرى لم يكن سوى جولة جديدة في صراع طويل مفتوح على احتمالات أكثر تعقيداً.

إيران، التي بدت هدفاً لضغوط عسكرية وسياسية مكثفة، نجحت في عبور العاصفة دون أن تنكسر. حافظت على جوهر برنامجها النووي، وأبقت شبكتها الإقليمية فاعلة، وأرسلت رسالة واضحة بأنها لا تزال لاعباً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات قادمة. هذا الصمود منحها انتصاراً معنوياً وسياسياً، وأعاد تثبيت موقعها في معادلة التوازنات الإقليمية، لكنها في الوقت ذاته دفعت ثمناً باهظاً. اقتصاد منهك، ضغوط دولية متصاعدة، وتراجع في هامش المناورة الذي كان يمنحها القدرة على التمدد بثقة أكبر.

لقد انتصرت إيران في معركة البقاء، لكنها خسرت شيئاً من قدرتها على المبادرة. تحولت من لاعب هجومي يسعى إلى توسيع نفوذه، إلى لاعب أكثر حذراً يركز على حماية ما لديه. هذا التحول يعكس إدراكاً ضمنياً بأن كلفة التوسع باتت أعلى من عائداته، وأن المرحلة المقبلة ستكون عنوانها تثبيت النفوذ لا تمديده.

في المقابل، حققت الولايات المتحدة انتصاراً عسكرياً لا يمكن إنكاره. ضربات دقيقة، تفوق تقني واستخباراتي واضح، وقدرة على فرض ردع مباشر أربك حسابات الخصوم. إلا أن هذا التفوق ظل محصوراً في الإطار التكتيكي، دون أن يتحول إلى إنجاز استراتيجي قادر على تغيير قواعد اللعبة. فالقوة، مهما بلغت دقتها، لم تنجح في تفكيك بنية النفوذ الإيراني المتجذرة، ولم تفرض تسوية سياسية مستدامة تعيد رسم ملامح المشهد.

وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: قوة قادرة على الضرب، لكنها عاجزة عن الحسم. انتصار في الميدان، يقابله عجز في السياسة. وهذا العجز لا يضعف صورة واشنطن أمام خصومها فحسب، بل يثير تساؤلات لدى حلفائها حول قدرتها على إدارة الصراعات المعقدة التي تتجاوز حدود القوة العسكرية التقليدية.

وفي خضم هذا التوازن الهش، تسعى إيران إلى فرض معادلة ردع جديدة، تقوم على توسيع نطاق الاشتباك. لم يعد الرد مقتصراً على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بل بات يحمل تهديداً ضمنياً بنقل الصراع إلى محيط أوسع، يشمل دول الخليج. إنها محاولة لإعادة تعريف قواعد اللعبة، وجعل أي استهداف لأذرعها الإقليمية محفوفاً بكلفة إقليمية مرتفعة.

هذه المعادلة، إن ترسخت، ستعني انتقال الصراع من مستوى المواجهة المحدودة إلى مستوى التوتر الإقليمي المفتوح، حيث تصبح الجغرافيا كلها ساحة محتملة للاشتباك. لكنها في الوقت ذاته مقامرة محفوفة بالمخاطر، لأن توسيع دائرة التهديد قد يستدعي ردوداً أعنف، ويقود إلى تصعيد يصعب احتواؤه.

ما تكشفه هذه الجولة، مرة أخرى، أن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم بسهولة، خاصة عندما تتداخل فيها العوامل العسكرية مع الشبكات السياسية والاقتصادية والأيديولوجية. لم يعد كسر الخصم يعني تدمير قدراته المباشرة فقط، بل يتطلب تفكيك منظومات نفوذ معقدة تمتد عبر حدود وجبهات متعددة، وهو أمر يتجاوز حدود القوة الصلبة.

النتيجة النهائية تبدو أقرب إلى حالة من “توازن التوتر”: لا حرب شاملة تنفجر، ولا سلام مستقر يتشكل. إيران باقية، لكنها محاصرة داخل حدود قدرتها، والولايات المتحدة متفوقة، لكنها عاجزة عن فرض نهاية للصراع. وبين هذا وذاك، تبقى المنطقة معلقة على إيقاع جولات متكررة من التصعيد والتهدئة، دون أفق واضح للحسم.

إنها معادلة قاسية، لكنها واقعية: في زمن الصراعات المركبة، قد تنتصر القوى الكبرى في المعارك، لكنها كثيراً ما تفشل في إنهاء الحروب.

فيديو