حضرموت… هوية جنوبية تقاوم زحف التحالفات وتعيد رسم معادلة النفوذ

السياسة - منذ ساعتان

عين الجنوب حضرموت || خاص 

في قلب التحولات العاصفة التي يشهدها الجنوب، تقف حضرموت اليوم كأحد أبرز ميادين الصراع الصامت، حيث لا تُقاس المعركة فقط بحجم القوة العسكرية أو النفوذ السياسي، بل بقدرة الهوية على الصمود في وجه مشاريع الهيمنة وإعادة تشكيل الخارطة وفق مصالح متشابكة. حضرموت، التي طالما كانت نموذجًا للاستقرار النسبي، تحولت تدريجيًا إلى نقطة جذب لمختلف القوى الإقليمية والمحلية، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي الاستراتيجي، بل لما تختزنه من ثروات طبيعية هائلة، وموانئ حيوية، وعمق تاريخي وثقافي يجعلها ركيزة أساسية في أي مشروع سياسي قادم في الجنوب.
في السنوات الأخيرة، برزت تحالفات متعددة تسعى إلى تثبيت أقدامها داخل المشهد الحضرمي، بعضها يأتي تحت عناوين دعم الاستقرار، وأخرى تحت شعار حماية المصالح الاقتصادية. غير أن قراءة أعمق تكشف أن هذه التحركات تتجاوز الشعارات المعلنة، لتدخل في إطار إعادة توزيع النفوذ وفرض واقع جديد على الأرض. هذا التزاحم في المشاريع خلق حالة من التوتر المكتوم، حيث تحاول كل جهة بناء أدواتها المحلية، سواء عبر تشكيلات عسكرية أو دعم نخب سياسية، ما يجعل حضرموت ساحة مفتوحة لصراع الإرادات، وإن كان بصيغة أقل صخبًا من مناطق أخرى.
وسط هذه المعادلة المعقدة، تبرز الهوية الجنوبية كعامل حاسم في ضبط الاتجاه العام. فحضرموت، رغم خصوصيتها الثقافية والاجتماعية، تظل جزءًا أصيلًا من النسيج الجنوبي، وهو ما يظهر بوضوح في الخطاب الشعبي الذي يرفض محاولات سلخها أو التعامل معها ككيان منفصل قابل لإعادة التشكيل وفق رغبات الخارج. الوعي المجتمعي في حضرموت بدأ يتبلور بشكل لافت، حيث تتصاعد الأصوات المطالبة بالحفاظ على القرار المحلي، ورفض أي وصاية أو مشاريع تنتقص من الانتماء الجنوبي، وهو وعي لا يقتصر على النخب بل يمتد إلى مختلف شرائح المجتمع، ما يمنح الهوية قوة إضافية في مواجهة محاولات التذويب.
ولا يمكن فهم ما يجري في حضرموت دون التوقف عند ملف الثروة، فالمحافظة تعد من أغنى مناطق الجنوب بالموارد، من النفط والغاز إلى الموانئ الحيوية، ما يجعلها هدفًا مغريًا لمشاريع الهيمنة. وفي ظل غياب إدارة موحدة قادرة على فرض سيادة كاملة، تبقى هذه الموارد عرضة للتجاذبات، غير أن المطالب الشعبية باتت أكثر وضوحًا، حيث يصر أبناء حضرموت على أن تكون ثرواتهم في خدمتهم أولًا، وأن تُدار ضمن إطار يضمن العدالة في التوزيع والتنمية المستدامة، وهو ما يضعهم في مواجهة مباشرة مع قوى تسعى إلى إبقاء هذه الموارد ضمن دائرة نفوذها.
التحدي الأكبر الذي تواجهه حضرموت اليوم يتمثل في الحفاظ على توازن دقيق بين الاستقرار والانخراط في المشروع الجنوبي العام، فهي لا ترغب في الانجرار إلى الفوضى، لكنها في الوقت ذاته ترفض أن تكون ساحة مفتوحة لإعادة هندسة النفوذ على حساب هويتها. في هذا السياق، تجد القيادات المحلية نفسها أمام اختبار حقيقي، إما أن تكون معبرة عن إرادة المجتمع وتحافظ على خصوصيته ضمن الإطار الجنوبي، أو أن تنخرط في تحالفات قد تؤدي إلى تفكيك هذا التماسك على المدى البعيد.
ما يجري في حضرموت اليوم يتجاوز كونه صراعًا سياسيًا تقليديًا، إذ يمكن وصفه بمعركة وعي بامتياز، بين مشروع يحاول فرض الهيمنة عبر أدوات متعددة، ومشروع آخر يسعى إلى تثبيت الهوية وبناء كيان قائم على الإرادة الشعبية. وفي ظل هذا المشهد، تبقى الكلمة الفصل مرهونة بقدرة أبناء حضرموت على توحيد رؤيتهم والتمسك بهويتهم الجنوبية، ورفض الانجرار خلف تحالفات قد تحمل في ظاهرها الدعم لكنها تخفي في جوهرها إعادة إنتاج النفوذ بطرق جديدة. حضرموت لم تعد مجرد محافظة تبحث عن استقرار، بل أصبحت عنوانًا لمعركة أوسع، معركة الهوية في زمن التحالفات المتغيرة، حيث يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت الإرادة المحلية ستنجح في فرض حضورها، أم أن مشاريع الهيمنة ستتمكن من إعادة رسم المشهد وفق مصالحها.

فيديو