التلويح باستخدام القوى الجنوبية في تحرير الشمال محرقة جديدة للجنوبيين

تقارير - منذ 6 ساعات

عدن، عين الجنوب| خاص 

في كل مرة يشتد فيها لهيب الصراع في الشمال، يعود الحديث مجددًا عن “إشراك القوى الجنوبية” في معارك لا تبدو لها نهاية واضحة، وكأن الجنوب قد كُتب عليه أن يكون خزانًا بشريًا مفتوحًا لكل الجبهات، لا شريكًا في القرار ولا مستفيدًا من النتائج.فرغم ماكان للجنوبيين ومايزال من جهود في تحرير محافظات الشمال كالحديده واجزاء من تعز ومارب والمخاء حيث لايزال الكثير من ابناء الجنوب يرابط فيها حتى اليوم فقد قدم الجنوبيين شهداء كثر  لتبداء دوامه جديده لاستنزاف الجنوبيين من خلال هيكله القوات الجنوبيه ودمجها في اطار مايسمى بالجيش الوطني التي تعتزم به السعوديه تحرير المحافظات الشماليه  هذا الطرح الذي يُعاد تدويره في لحظات الأزمات لا يمكن قراءته إلا باعتباره محاولة لجرّ الجنوب إلى محرقة جديدة، تحت عناوين براقة ظاهرها “تحرير الشمال” وباطنها استنزاف ما تبقى من قوة الجنوب وإرادته.
التجربة القريبة لا تزال حاضرة في ذاكرة الجنوبيين، حين تحولت معارك بعيدة عن جغرافيتهم وأولوياتهم إلى مستنقع دموي دفعوا فيه أثمانًا باهظة دون أن يجنوا مكاسب سياسية أو حتى ضمانات حقيقية لمستقبلهم. اليوم، ومع تصاعد الحديث عن جبهات جديدة، يبدو المشهد وكأنه إعادة إنتاج لذات السيناريو، مع اختلاف في الشعارات فقط، بينما تظل النتيجة المتوقعة واحدة: إنهاك الجنوب وإبعاده عن قضاياه الجوهرية.
ما يثير القلق ليس فقط فكرة الزج بالقوى الجنوبية في معارك الشمال، بل الطريقة التي يُطرح بها الأمر، وكأنه واجب لا نقاش فيه، أو التزام مفروض بحكم التحالفات والضغوط الإقليمية. هذا الخطاب يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن الجنوب يمتلك قضية سياسية واضحة تتعلق بالهوية والحق في تقرير المصير، وأن أي انخراط عسكري خارج هذا الإطار يجب أن يكون محسوبًا بدقة، لا مغامرة مفتوحة على كل الاحتمالات.
الرهان على استخدام الجنوب كأداة في صراع الشمال يحمل في طياته مخاطر استراتيجية، فبدلًا من توجيه الجهود نحو بناء مؤسسات مستقرة وتعزيز الأمن والخدمات، سيتم استنزاف الموارد البشرية والعسكرية في معارك لا تخدم أولويات الداخل. ومع مرور الوقت، قد يجد الجنوب نفسه أمام فراغ أمني واقتصادي، بينما تظل جبهات الشمال مشتعلة دون حسم.
الأخطر من ذلك أن هذه الدعوات قد تُحدث شرخًا داخليًا، بين من يرى ضرورة الانخراط في تلك المعارك ومن يرفضها، ما يهدد وحدة الصف الجنوبي في لحظة تحتاج إلى أكبر قدر من التماسك. فالخلاف حول الأولويات قد يتحول إلى صراع داخلي صامت، تستفيد منه الأطراف التي تسعى لإضعاف الجنوب وإبقائه في دائرة التبعية.
في المقابل، يبرز سؤال جوهري: ما الذي سيجنيه الجنوب فعليًا من خوض معارك الشمال؟ هل هناك ضمانات سياسية واضحة؟ هل هناك رؤية لما بعد الحرب؟ أم أن الأمر مجرد وعود فضفاضة تتكرر في كل مرحلة دون أن تتحقق؟ التجارب السابقة تشير إلى أن الجنوب غالبًا ما يُستدعى عند الحاجة، ثم يُهمَّش عند توزيع المكاسب.
إن التعامل مع هذه القضية يتطلب قراءة واقعية بعيدة عن العاطفة أو الضغوط، تقوم على مبدأ أن حماية الجنوب واستقراره يجب أن تكون الأولوية الأولى، وأن أي قرار بالمشاركة في صراعات خارج هذا الإطار يجب أن يكون جزءًا من استراتيجية واضحة، لا رد فعل ظرفي أو استجابة لإملاءات خارجية.
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن التلويح باستخدام القوى الجنوبية في تحرير الشمال ليس سوى عنوان جديد لمعادلة قديمة، يُطلب فيها من الجنوب أن يدفع الثمن دون أن يكون شريكًا حقيقيًا في القرار. وبينما تتكرر الدعوات وتتصاعد الضغوط، يبقى التحدي الحقيقي أمام القيادات الجنوبية هو كيفية تجنب هذه المحرقة المحتملة، والحفاظ على ما تبقى من قوة وإرادة، في معركة لم تعد عسكرية فقط، بل سياسية بامتياز.

فيديو