زلزال الميادين: الصوت الذي لا يقهر والقرار الذي لا يُصادر

السياسة - منذ 46 دقيقة

عين الجنوب || خاص              
في مشهدٍ يتكرر كل مرة لكنه لا يفقد دهشته، يثبت الواقع في الجنوب أن معادلة النصر لا تُصاغ في الغرف المغلقة، ولا تُختزل في أسماء أو كيانات، بل تُولد من رحم الشارع، من زخم الحشود، ومن إصرار الناس الذين قرروا أن يكونوا هم الحكاية وصنّاعها في آنٍ واحد. هنا، حيث تختلط حرارة الشمس بعرق الواقفين في الساحات، تتشكل ملامح القوة الحقيقية التي لا يمكن تجاهلها أو القفز عليها.
لم يعد بالإمكان قراءة المشهد الجنوبي بمعزل عن هذا الحضور الشعبي الكثيف الذي تجاوز كونه مجرد تعبير عاطفي إلى حالة سياسية متجذرة تفرض نفسها على الجميع. فالجماهير التي تملأ الساحات، وتعيد رسم المشهد في كل مناسبة، لا تفعل ذلك بوصفها تابعاً، بل بوصفها الفاعل الأول، وصاحبة القرار غير المعلن الذي يحدد اتجاه البوصلة. إنها قوة صلبة لا تُقاس بحجم الخطابات، بل بقدرتها على الاستمرار، وعلى فرض معادلتها رغم كل التعقيدات والتقاطعات.
في عدن، حيث تتكثف الرمزية وتتجسد الذاكرة، تبدو الساحات وكأنها مرآة تعكس حقيقة واحدة: أن النصر ليس منحة تُمنح، بل إرادة تُنتزع. هناك، تتحول التفاصيل الصغيرة إلى مؤشرات كبرى؛ خطوة في مسيرة، هتاف في ساحة، أو حتى وقفة صامتة، كلها تعبيرات عن وعي جمعي يتشكل بثبات، ويرفض أن يُختزل أو يُصادر. هذا الوعي هو ما يمنح الحراك الشعبي ثقله، ويجعل منه رقماً صعباً في أي معادلة سياسية.
ولعل ما يميز هذا المشهد أن الفاعل الشعبي لم يعد يقبل بدور المتفرج أو المُستخدم، بل بات يمارس نوعاً من الرقابة غير المباشرة على كل الأطراف، رافعاً سقف التوقعات، ورافضاً أي انحراف عن المسار الذي يراه معبّراً عن تطلعاته. وهنا تتجلى المفارقة؛ فبينما تحاول بعض القوى احتكار مشهد البطولة أو نسب الإنجاز لنفسها، يعيد الشارع ترتيب الأولويات، مذكّراً بأن الشرعية الحقيقية تُستمد من الناس، لا من الخطابات ولا من التحالفات.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة تراكم طويل من التجارب، والانكسارات، ومحاولات الالتفاف التي واجهها الشارع بصلابة لافتة. ومع كل اختبار، كان هذا الوعي الشعبي يزداد رسوخاً، ويعيد إنتاج نفسه بصورة أكثر نضجاً وقدرة على التمييز بين الحقيقي والمصطنع. لذلك، لم يعد من السهل تمرير سرديات جاهزة أو صناعة أبطال من خارج هذا السياق، لأن المعيار بات واضحاً: من يقف مع الناس، ومن يقف فوقهم.
في خضم هذا كله، يظل المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة، لكن الثابت الوحيد فيه هو أن الكلمة الفصل لم تعد حكراً على أحد. فالقوة التي تتشكل في الشارع الجنوبي اليوم ليست مجرد حالة عابرة، بل تعبير عن تحول عميق في طبيعة الفعل السياسي، حيث يصبح الشعب هو المركز، وما عداه يدور في فلكه. ومن هنا، فإن أي قراءة لمستقبل الجنوب لا يمكن أن تتجاهل هذه الحقيقة، أو تحاول القفز عليها.
إنه مشهد يقول ببساطة، ولكن بوضوحٍ حاسم: حين يقرر الناس أن يكونوا هم صُنّاع النصر، تتلاشى كل الادعاءات الأخرى، وتنكشف كل محاولات التزييف، ليبقى صوت واحد فقط، هو صوت الإرادة التي لا تُقهر.

فيديو