الدعم الموهوم.. كيف تحولت المساعدات إلى غنيمة تتقاسمها قوى النفوذ وشبكات الفساد

تقارير - منذ 1 ساعة

عدن.عين الجنوب|خاص          
في كل مرة تبرز فيها الفعاليات الجنوبيه او تتصاعد فيها الأزمات الاقتصادية والمعيشية، يخرج الحديث مجدداً عن ملايين الدولارات التي قدمت اوستقدم تحت مسمى "الدعم" و"المساندة" و"إنقاذ الاقتصاد"، لكن المواطن البسيط الذي يقف يومياً في طوابير المعاناة لا يرى أثراً ملموساً لكل تلك الأرقام الضخمة التي تتردد في وسائل الإعلام والبيانات الرسمية. وبينما تستمر الوعود بتحسين الأوضاع وتخفيف الأعباء، يزداد الواقع قسوة وتتوسع دائرة الفقر وتتراجع الخدمات الأساسية بصورة غير مسبوقة.
لقد أصبح السؤال الأكثر حضوراً في الشارع: أين ذهبت أموال الدعم؟ وكيف تحولت المساعدات المعلنة إلى مجرد أرقام تتداولها النخب السياسية والاقتصادية بينما يبقى المواطن وحيداً في مواجهة الانهيار المستمر؟ فالمشكلة لم تعد في حجم الأموال التي يتم الإعلان عنها، بل في الآليات التي تُدار بها، وفي الجهات التي تتحكم بمساراتها، وفي شبكات المصالح التي تجد في كل دعم جديد فرصة إضافية لتعزيز نفوذها ومراكمة مكاسبها.
وعلى مدى السنوات الماضية، تشكلت منظومة معقدة من المصالح المتشابكة بين مراكز النفوذ والقوى المستفيدة من استمرار الأزمات، حيث باتت حالة الانهيار نفسها مصدراً للثراء والنفوذ بالنسبة للبعض. فكلما ازدادت حاجة الناس وارتفعت وتيرة المعاناة، ازداد حضور الوسطاء والسماسرة والمتنفذين الذين يقدمون أنفسهم بوصفهم حراساً للمساعدات ومشرفين على توزيعها، بينما تظل النتائج النهائية بعيدة تماماً عن تطلعات المواطنين.
وفي الوقت الذي كان يُفترض أن ينعكس أي دعم خارجي على استقرار العملة وتحسين الخدمات وصرف الرواتب وتوفير الاحتياجات الأساسية، شهدت السنوات الأخيرة تدهوراً متواصلاً في مختلف القطاعات. فالخدمات تتراجع، والكهرباء تتعثر، والأسعار ترتفع، والعملة تفقد جزءاً من قيمتها، فيما تتكرر الوعود ذاتها دون تغيير حقيقي يلمسه الناس في حياتهم اليومية.
ويرى كثير من المراقبين أن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الشفافية والمحاسبة، إذ لا توجد معلومات كافية ومعلنة للرأي العام حول كيفية إدارة الأموال وأوجه إنفاقها والجهات المستفيدة منها. ومع غياب الرقابة الفاعلة، تتحول المساعدات إلى ملف مغلق لا يعرف المواطن عنه سوى العناوين العريضة، بينما تبقى التفاصيل الحقيقية محصورة داخل دوائر النفوذ.
ومن هنا تنشأ حالة الإحباط الشعبي المتزايدة، إذ يشعر المواطن بأن الحديث عن الدعم أصبح جزءاً من الخطاب السياسي أكثر من كونه مشروعاً حقيقياً لمعالجة الأزمات. فالأرقام الكبيرة التي تُعلن لا تتناسب مع الواقع المعيشي الذي يزداد صعوبة يوماً بعد آخر، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول جدوى تلك المساعدات وحول الجهات التي تستفيد منها فعلياً.
إن أي دعم اقتصادي يفقد قيمته عندما يتحول إلى وسيلة لتغذية شبكات الفساد أو إلى أداة لإعادة إنتاج الأزمات ذاتها. فالمجتمعات لا تحتاج إلى بيانات إعلامية بقدر حاجتها إلى مشاريع حقيقية وخدمات مستقرة وفرص عمل وتنمية مستدامة تلامس حياة الناس بشكل مباشر. كما أن نجاح أي دعم مرهون بوجود مؤسسات قادرة على إدارته بشفافية وعدالة بعيداً عن المحاصصة والمصالح الضيقة.
واليوم، وبينما تتسع الفجوة بين ما يُعلن من أرقام وما يعيشه المواطن على الأرض، تبدو الحاجة ملحة لإعادة النظر في فلسفة الدعم وآليات إدارته، بحيث يصبح الهدف الأول هو خدمة الناس وتحسين أوضاعهم لا تعزيز نفوذ المتنفذين أو إطالة عمر شبكات الفساد. فالمواطن الذي يتحمل أعباء الأزمات المتلاحقة لم يعد يبحث عن وعود جديدة، بل عن نتائج ملموسة تعيد إليه الثقة بأن ثروات البلاد ومساعداتها يمكن أن تتحول يوماً إلى مشاريع تنمية حقيقية بدلاً من أن تبقى غنائم تتقاسمها مراكز القوة والنفوذ خلف الكواليس.

فيديو