تحليل : حوار بسقفٍ مُسبق.. حين تتحول الطاولة إلى مسرحٍ لنتائج مكتوبة سلفًا

تقارير - 1 hour ago

عين الجنوب|| خاص:
في توقيت سياسي بالغ الحساسية، تتكشف ملامح مشهد معقد يتجاوز حدود التصريحات الإعلامية إلى ما يشبه إعادة رسم قواعد اللعبة من خلف الكواليس، حيث لم تعد قضية الحوار الجنوبي مجرد مساحة للنقاش بقدر ما باتت ساحة لاختبار النوايا وحدود الإرادة السياسية. فالتسريبات التي جرى تداولها مؤخرًا، والمنسوبة إلى دوائر في السلطة، لم تأتِ كتصريحات عابرة، بل حملت في طياتها مؤشرات عميقة على طبيعة المسار الذي يُراد لهذا الحوار أن يسلكه، وهو مسار يبدو – وفق ما تكشفه المعطيات – محكومًا بسقف محدد سلفًا، لا يترك مجالًا واسعًا لما كان يُفترض أنه نقاش مفتوح حول مستقبل قضية معقدة ومتجذرة.
اللافت في هذه التطورات ليس فقط مضمون ما طُرح، بل الطريقة التي تم تمريره بها، إذ جرى تقديمه عبر قنوات غير رسمية، ما يطرح علامات استفهام كبيرة حول آليات إدارة هذا الملف، ومستوى الشفافية في التعاطي معه. فحين تُنقل رسائل بهذا الحجم من خلال وسطاء إعلاميين، فإن ذلك يوحي بأن هناك خطابًا غير معلن يُراد تمريره تدريجيًا، تمهيدًا لتكريس واقع سياسي معين، دون الدخول في مواجهة مباشرة مع ردود الفعل المحتملة.
وبينما كانت التوقعات تشير إلى أن الحوار الجنوبي سيُدار برعاية تتيح مساحة مفتوحة للنقاش دون قيود مسبقة، جاءت هذه المؤشرات لتقلب الصورة رأسًا على عقب، إذ بدا واضحًا أن هناك محددات سياسية جاهزة يتم البناء عليها، الأمر الذي يفرغ فكرة الحوار من مضمونها الحقيقي، ويحولها إلى إطار شكلي أكثر من كونه عملية تفاوضية قائمة على الندية والتكافؤ. وهذا التحول لا يعكس فقط خللًا في إدارة الملف، بل يعيد إلى الواجهة نمطًا سياسيًا قديمًا يقوم على فرض القوالب الجاهزة بدل صياغتها عبر التوافق.
في عمق هذا المشهد، تبرز إشكالية جوهرية تتعلق بطبيعة التعاطي مع القضية الجنوبية نفسها، حيث يظهر أن هناك محاولات مستمرة لاختزالها في عناوين عامة، تتجاهل تراكماتها التاريخية وتعقيداتها السياسية والاجتماعية. فالقضايا التي تشكلت عبر سنوات طويلة، ودُفعت أثمانها بتضحيات كبيرة، لا يمكن التعامل معها بمنطق التبسيط أو إدراجها ضمن أطر معدة مسبقًا، دون أن يؤدي ذلك إلى نتائج عكسية تزيد من حالة الاحتقان بدل معالجتها.
كما أن اعتماد أسلوب التمهيد الإعلامي عبر تسريبات غير مباشرة يعكس حالة من التردد في طرح المواقف بشكل واضح وصريح، وهو ما يضعف الثقة في مجمل العملية السياسية، ويعزز الانطباع بأن ما يجري ليس حوارًا بالمعنى الحقيقي، بل محاولة لإعادة إنتاج مخرجات معروفة سلفًا، مع تغيير في الشكل دون المساس بالمضمون. وفي مثل هذه الحالات، يصبح الحوار مجرد وسيلة لإضفاء شرعية على قرارات تم اتخاذها مسبقًا، وليس أداة للوصول إلى حلول توافقية.
ومع تصاعد هذه المؤشرات، يزداد القلق من أن تتحول العملية برمتها إلى مسار شكلي يفتقد إلى الأسس التي تضمن نجاح أي حوار سياسي، وفي مقدمتها وضوح النوايا، وغياب الشروط المسبقة، والاعتراف الكامل بخصوصية كل قضية. فحين تغيب هذه العناصر، يصبح من الصعب الحديث عن نتائج حقيقية، مهما تعددت الاجتماعات أو تنوعت عناوينها.
في المحصلة، تكشف هذه التطورات عن فجوة متزايدة بين الخطاب المعلن والواقع الفعلي، وهي فجوة إن استمرت في الاتساع، فإنها قد تقود إلى تعقيد المشهد أكثر بدل تبسيطه. فالحوار الذي لا ينطلق من أرضية واضحة، ولا يحترم طبيعة القضايا المطروحة، سيظل يدور في حلقة مفرغة، بينما تبقى الأسئلة الكبرى معلقة، بانتظار إجابات لم تتبلور بعد، في مشهد يعكس صراعًا صامتًا بين ما يُقال في العلن، وما يُدار خلف الأبواب المغلقة.