ميزانية سرّية خارج الدولة.. هل تحوّل القصر الرئاسي إلى خزينة مفتوحة على حساب شعب يئن تحت الفقر

تقارير - 59 minute ago

عدن ، عين الجنوب|خاص        
في الوقت الذي يعيش فيه الشعب الجنوبي واحدة من أقسى مراحل المعاناة، وتتراكم الأزمات فوق بعضها، من انقطاع الخدمات وتدهور الوضع الاقتصادي وتأخر المرتبات وارتفاع الأسعار، تخرج إلى الواجهة تساؤلات خطيرة حول طبيعة الإنفاق الرئاسي، وحجم الأموال التي يجري تخصيصها خارج الأطر المالية الحكومية، بعيداً عن الموازنة العامة وأجهزة الرقابة والمساءلة.
فبينما يواجه المواطن أعباء الحياة اليومية، ويكافح من أجل توفير أبسط احتياجاته، تتحدث تقارير ومعلومات متداولة عن اعتماد موازنة صرف خاصة بمجلس القيادة الرئاسي، بما يفتح الباب أمام إنفاق مليارات الريالات بعيداً عن موازنة الحكومة التي تعاني أصلاً من التعثر والشلل، في مشهد يثير الكثير من علامات الاستفهام حول أولويات السلطة، وحدود الإنفاق، ومصير المال العام.
القضية لا تتعلق بمجرد أرقام مالية أو بنود محاسبية، بل تمس جوهر العلاقة بين السلطة والمواطن. فكيف يمكن تبرير إنشاء مخصصات مالية مستقلة للرئاسة، في وقت تعجز فيه الحكومة عن دفع المرتبات بانتظام، وتغيب الخدمات الأساسية، ويعيش ملايين المواطنين تحت وطأة الفقر والغلاء والانهيار الاقتصادي؟ وكيف يمكن تمرير إنفاق خارج الموازنة العامة، بينما يُطلب من الشعب الصبر والتحمل والتعايش مع الأزمات؟
لقد بات المواطن يرى مفارقة مؤلمة بين واقع يعيشه على الأرض، وواقع آخر ينعكس في دوائر السلطة. ففي الوقت الذي يقف فيه المواطن أمام طوابير طويلة بحثاً عن أبسط الخدمات، وتتعطل مصالح الناس بسبب انقطاع الكهرباء والمياه وتدهور العملة، تبدو بعض دوائر القرار وكأنها تعيش في عالم مختلف، تحكمه الامتيازات والمخصصات والإنفاق المفتوح.
والأخطر من ذلك أن أي موازنة مستقلة خارج إطار الحكومة قد تتحول إلى مساحة واسعة للإنفاق غير المنضبط، خصوصاً إذا غابت الشفافية الكاملة، ولم تُعرض تفاصيل المصروفات على الرأي العام والجهات الرقابية المختصة. فالمال العام ليس ملكاً للأشخاص أو المناصب، ولا يجوز التعامل معه باعتباره مخصصات شخصية أو ميزانية مفتوحة للصرف دون رقابة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى فتح ملف الإنفاق الرئاسي بكل شفافية، والكشف عن حجم المبالغ التي تم اعتمادها، وأوجه صرفها، والجهات التي استفادت منها، ومدى توافقها مع القوانين واللوائح المالية النافذة. فالشعب الذي يدفع ثمن كل أزمة، ويُطلب منه تحمل نتائج الانهيار، يملك حقاً أصيلاً في معرفة أين تذهب موارده، ومن يقرر كيفية إنفاقها، ولماذا تُحرم مؤسسات الدولة من الرقابة على أموال يفترض أنها ملك للمواطنين.
لقد أثبتت التجارب أن أخطر أشكال الفساد لا تبدأ دائماً من سرقة مباشرة، بل قد تبدأ من إنشاء مسارات مالية موازية، وتجاوز المؤسسات الرسمية، وإبعاد الموازنة عن الرقابة، ثم تتحول بمرور الوقت إلى منظومة إنفاق مغلقة لا يعرف الشعب عنها شيئاً. ولذلك فإن أي حديث عن مخصصات مالية ضخمة خارج الموازنة العامة يجب أن يخضع لتدقيق كامل، لا سيما في بلد يعيش أزمة اقتصادية خانقة، ويعاني مواطنوه من انعدام أبسط مقومات الحياة.
وفي ظل هذه الظروف، تتزايد الأصوات المطالبة بعودة القرار المالي إلى مؤسسات الدولة، وإنهاء حالة الازدواجية في إدارة المال العام، ووضع حد لأي إنفاق لا يستند إلى موازنة قانونية معلنة ومراقبة. فالحكومة، مهما كانت ضعيفة أو متعثرة، لا يمكن تجاوزها في إدارة الأموال العامة، كما لا يجوز تحويل أي منصب رئاسي إلى سلطة مالية مستقلة فوق المؤسسات والقوانين.
إن الشعب الجنوبي الذي تحمل سنوات طويلة من الأزمات والحروب والتدهور الاقتصادي، لم يعد مستعداً لقبول المزيد من العبث بمقدراته. فالجنوب يمتلك موارد وثروات وإيرادات، لكن المواطن لا يرى أثرها في حياته اليومية، ولا يلمس انعكاسها على الخدمات أو المرتبات أو التنمية. وبينما تتحدث السلطات عن العجز والإفلاس، تظهر في المقابل أرقام ومخصصات ضخمة تثير تساؤلات مشروعة حول أولويات الإنفاق ومصير الموارد.
المطلوب اليوم ليس بيانات تبريرية ولا محاولات لتجميل الواقع، بل كشف الحقائق كاملة أمام الرأي العام. فكل ريال يُنفق من المال العام يجب أن يكون معروف المصدر والوجهة، وكل موازنة يجب أن تكون خاضعة للقانون والرقابة، وكل مسؤول يجب أن يدرك أن المال العام أمانة، وأن زمن الصرف بعيداً عن أعين الشعب والمؤسسات لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية.
إن أخطر ما في المشهد أن المواطن بات يشعر بأن الدولة تطلب منه التقشف بينما تعيش بعض دوائر السلطة بمنطق الإنفاق المفتوح، وتطالبه بالصبر بينما تتوسع المخصصات الخاصة، وتدعوه لتحمل الأزمات بينما تُصرف أموال ضخمة خارج موازنة الحكومة. وهذه المفارقة هي التي تقتل الثقة، وتعمق الغضب الشعبي، وتدفع الناس إلى التساؤل: إذا كانت البلاد تعاني من العجز، فأين تذهب الموارد؟ وإذا كانت الحكومة عاجزة عن دفع المرتبات، فمن أين تأتي الأموال للموازنات الخاصة؟
في النهاية، لا يمكن بناء دولة مستقرة بالإنفاق الغامض، ولا يمكن مواجهة الفساد بالصمت، ولا يمكن مطالبة شعب مسحوق بالتضحية بينما تُفتح أبواب المال العام أمام امتيازات لا تخضع للرقابة. لقد حان الوقت لأن تكون كل موارد الدولة تحت سلطة القانون، وكل موازناتها معلنة، وكل مصروفاتها خاضعة للمساءلة، لأن الشعوب قد تصبر على الفقر، لكنها لا تصبر إلى الأبد على رؤية المال العام يُهدر بينما تعيش هي على حافة المجاعة والانهيار.
فالجنوب لا يحتاج إلى موازنات سرية ولا إنفاق خارج الرقابة.. بل يحتاج إلى دولة تحترم شعبها، وتحمي موارده، وتضع المال العام في خدمة المواطن لا في خدمة امتيازات السلطة.