تحليل :فشل "حل" الانتقالي .. ولماذا لم تنتهِ قضية شعب الجنوب

دراسات وتحليلات - منذ 1 ساعة

عدن|| عين الجنوب:
لم يكن فشل محاولات تفكيك أو احتواء المجلس الانتقالي الجنوبي حدثًا عابرًا في سياق الأزمة اليمنية، بل كشفًا سياسيًا عميقًا لخطأ المقاربة الإقليمية والدولية التي حاولت معالجة قضية تحرر وطني بأدوات عسكرية وأمنية وإدارية.

فالمجلس الانتقالي ليس قطعة شطرنج ولم يعد مجرد تنظيم سياسي يمكن تحييده أو استبداله، بل بات التعبير السياسي الأوضح عن واقع جيو- سياسي تشكّل على أرض صلبة بفعل تضحيات الجنوبيين منذ عقود ومنذ ما قبل ٢٠١٥ بمراحل.
غير أن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني إنكار أخطاء الانتقالي نفسه.

فخلال قرابة تسع سنوات من مسيرته، أفرط المجلس في استخدام القوة الصلبة وأعتمد عليها في كافة مراحل نضاله دون النظر إلى أن عامل القوة هو من العوامل المتغيرة ، وأهمل بقصد أو بدون قصد – إلى حد كبير – القوة الناعمة المتمثلة بالنضال السلمي الجماهيري، وهو ما خلق فجوة بينه وبين قطاعات اجتماعية كان ينبغي أن تبقى في قلب المعركة النضالية والسياسية التي أجترح مآثرها الشعب الجنوبي الذي لم يتخلى يوما عن واجباته النضالية تجاه قضيته الجنوبية العادلة.

لقد أُخرج الحراك الجماهيري السلمي من “قاموس” الانتقالي لفترة طويلة، قبل أن تعيده التطورات العسكرية في حضرموت والمهرة مطلع ديسمبر 2025 إلى الواجهة، عندما تبيّن أن القوة المسلحة وحدها لا تكفي لحماية المشروع السياسي الجنوبي ولا لفرضه محليا ودوليًا من دون الدعم الجماهيري ومن دون الإرادة الشعبية الفاعلة التي نجحت في يوم من الأيام تغيير المعادلة السياسية والأمنية التي حاول نظام صنعاء فرضها على الجنوب لصالح القضية الجنوبية ولصالح الشعب الجنوبي الذي لن يتخلى تحت أي ظرف كان وتحت أي ضغط داخل أو خارجي عن واجباته النضالية تجاه قضيته العادلة التي لا تقبل المساومة أو المتاجرة بها.

لكن الاعتراف بهذه الإخفاقات لا يقود إلى الاستنتاج الساذج الذي يروج له الإعلام المعادي، والقائل إن المجلس الانتقالي “انتهى” أو خرج من المعادلة.
هذا وهم سياسي. فمن يقرأ المشهد الجنوبي قراءة عميقة يدرك أن ما جرى هو ضربة مؤلمة، لا ضربة قاتلة، وأن محاولات إعلان “موت الانتقالي” ليست سوى جزء من حرب نفسية تهدف في جوهرها إلى تصفية القضية الجنوبية نفسها.

وهنا تكمن خطورة ما يجري.

فالمملكة العربية السعودية، عبر دعوتها إلى ما يسمى بـ”الحوار الجنوبي–الجنوبي”، لا تتحرك من موقع الحياد أو الحرص على حل عادل، بل من منطلق إدارة الجنوب بما يخدم مصالحها الاستراتيجية. هذه الدعوة ليست بريئة؛ إنها محاولة لإعادة تعريف القضية الجنوبية خارج إطارها التحرري، وإدخالها في مسار تفاوضي يفرغها من مضمونها، ويحولها من قضية شعب إلى خلاف نخب يمكن تطويعه.
والسبب بسيط:
قيام دولة جنوبية مستقلة وقابلة للحياة يتعارض جوهريًا مع حسابات النفوذ السعودي في اليمن والبحر العربي وخطوط الطاقة والموانئ. ولذلك، فإن أي حل عادل يرتضيه الشعب الجنوبي يمثل تهديدًا استراتيجيًا للمملكة، وليس فرصة لها.

من هنا، يصبح فشل محاولة “حل” الانتقالي رسالة سياسية كبرى:

- إن الجنوب لم يعد ساحة مفتوحة لإعادة الهندسة من الخارج.
- إن الواقع الجيوسياسي الذي نشأ منذ 2015 أقوى من كل الاتفاقات المفروضة.
- وإن محاولات الالتفاف على القضية الجنوبية عبر حوارات مُدارة ستقود إلى انفجارات أكبر، لا إلى استقرار.
- إن الانتقالي، رغم ما تعرض له من ضربات، لا يزال حاملًا سياسيًا لواقع لا يمكن القفز فوقه. ومهما تبدلت الوجوه أو تغيرت الصيغ، فإن الجنوب بات حقيقة سياسية قائمة بذاتها، لا بندًا في ملف يمني.

الخلاصة :

فشل “حل” المجلس الانتقالي ليس أزمة للانتقالي وحده، بل أزمة لمنظومة إقليمية تحاول إعادة إنتاج يمن لم يعد موجودًا. أما الجنوب، فقد دخل مرحلة اللاعودة، سواء اعترفوا بذلك أم لم يعترفوا.

محسن ناجي مسعد| عقيد في الجيش الجنوبي 

فيديو