بين وعود الاحتواء وتناقضات الممارسة: قراءة في السياسة السعودية تجاه قضية شعب الجنوب

تقارير - منذ ساعتان

عين الجنوب|| خاص:
في خضم التحولات الإقليمية المتسارعة وتعقيدات المشهد السياسي في البلاد ، تبرز السياسة السعودية تجاه قضية شعب الجنوب بوصفها نموذجًا لنهج مركّب يقوم على ازدواجية الخطاب والممارسة. فمن يقرأ المشهد بعمق يلحظ أن المملكة تتعامل مع قضية الجنوب باعتبارها ملفًا يجب إدارته لا حسمه، وواقعًا ينبغي احتواؤه لا الاعتراف به، متجاوزةً الشعارات المعلنة إلى شبكة معقدة من السياسات الواقعية التي كثيرًا ما تصطدم بإرادة شعبٍ يحمل قضية عادلة وجذور دولة وهوية وسيادة.
فعلى المستوى المعلن، ترفع الرياض شعار الحفاظ على “وحدة اليمن” باعتباره خطًا أحمر، وتغلف خطابها السياسي بعبارات الدعم والاستقرار والحوار. غير أن الممارسة على الأرض تكشف مسارًا مختلفًا، يقوم على تفكيك البنية الموحدة لقضية شعب الجنوب، وإضعاف تمثيلها السياسي والعسكري، ومنع تشكّل قوة جنوبية مستقلة قادرة على فرض إرادتها الوطنية. هذا التناقض بين القول والفعل لم يعد خافيًا على المراقبين، بل بات ملمحًا أساسيًا في التعاطي السعودي مع الجنوب.
عسكريًا، اتجهت السياسة السعودية نحو إعادة هندسة المشهد الأمني الجنوبي عبر استقطاب القيادات وإعادة تشكيل التحالفات المسلحة، مستخدمةً أدوات الإغراء المالي والضغط الجغرافي، بما يفضي إلى تفكيك التشكيلات الجنوبية المتماسكة وإعادة تركيبها ضمن هياكل خاضعة للسيطرة المباشرة أو غير المباشرة. وبدل بناء شراكات متكافئة تحترم الرمزية الوطنية والانتماء الجنوبي، جرى إقصاء شخصيات وازنة وتهميش كوادر قيادية، في مسار عكسي أسهم في نزع الهوية الوطنية عن المؤسسات العسكرية، وإضعاف انتمائها لقضية شعبها.
سياسيًا، يتجلى التناقض بصورة أكثر وضوحًا. فبينما تتحدث المملكة عن دعم الحوار الجنوبي–الجنوبي، تمارس في الواقع ضغوطًا لإفراغ قضية شعب الجنوب من مضمونها السياسي والتمثيلي. ويبرز ذلك في محاولات إضعاف المجلس الانتقالي الجنوبي، بوصفه الإطار السياسي الأبرز المعبّر عن إرادة شعب الجنوب، والسعي لاستبداله بأطر أكثر قابلية للتوجيه والاحتواء، بما يحوّل القضية من مشروع وطني تحرري إلى ملف تفاوضي قابل للتأجيل والتذويب.
دبلوماسيًا، تنتهج المملكة سياسة عزل أي طرح إقليمي أو دولي يدعم حق شعب الجنوب في استعادة دولته، تحت لافتة الحفاظ على وحدة اليمن. وفي هذا السياق، تعيد تشكيل تحالفاتها الإقليمية ضمن حسابات لا ترتبط فقط بمواجهة النفوذ الإيراني، بل تهدف أيضًا إلى منع بروز أي نموذج استقلالي قد يشكل سابقة في المنطقة. وتُربط قضية الجنوب بملفات إقليمية مضطربة في السودان والصومال وليبيا، رغم الفارق الجوهري المتمثل في أن الجنوب كان دولة ذات سيادة وحدود وهوية، دخل وحدة اندماجية فاشلة، ثم تعرض لانقلاب وحروب وإقصاء ممنهج ما تزال آثارها قائمة حتى اليوم.
أما على مستوى الوعي الجنوبي، فتعمل السياسة السعودية على إعادة تشكيله عبر أدوات إعلامية ونفسية معقدة، بمشاركة إعلام يمني شمالي، تستهدف الرموز الوطنية الجنوبية وتشوه صورتها، وعلى رأسها الرئيس عيدروس الزبيدي واللواء سالمين البحسني. ويهدف هذا الخطاب إلى إحداث انزياح جماهيري عن القيادات الجنوبية، وتفكيك الحاضنة الاجتماعية للقضية، عبر خلط متعمد بين الحقائق والتأويلات، وبين المصلحة الوطنية والتبعية الخارجية.
داخليًا، تعتمد المملكة سياسة المسارين: مسار معلن يتحدث عن دعم تطلعات شعب الجنوب، ومسار خفي يعمل على تفكيك وحدته التمثيلية. فتُقدَّم وعود عاطفية شفوية، تُرفق أحيانًا بخدمات تنموية محدودة، في مقابل تغذية تعددية صوتية مصطنعة في حضرموت وشبوة والمهرة، بهدف إنتاج بدائل سياسية تضعف الإجماع الجنوبي وتمنع الوصول إلى تسوية عادلة تعبّر عن الإرادة الشعبية الحقيقية.
تعكس هذه السياسات رؤية سعودية تقوم على “الواقعية السياسية المركبة”، حيث تُخضع الاعتبارات الأخلاقية والقانونية لمعادلات الأمن القومي والمصلحة الاستراتيجية. وفي هذا الإطار، لا تُنظر إلى قضية شعب الجنوب باعتبارها حقًا مشروعًا لشعب يناضل من أجل تقرير مصيره، بل كملف يجب ضبطه ومنع تحوله إلى عامل إرباك إقليمي أو نموذج ملهم لحركات تحرر أخرى.
غير أن هذه الواقعية تصطدم بإرادة جنوبية متجددة، تشكلت خلال السنوات الأخيرة في أطر سياسية وتنظيمية أكثر نضجًا. فشعب الجنوب، الذي دفع أثمانًا باهظة من الشهداء والجرحى، لم يعد يقبل أن يكون ورقة في حسابات الآخرين، أو ملفًا مؤجلًا على طاولات التفاوض الإقليمية. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: إلى متى يمكن لسياسة الاحتواء والتأجيل أن تستمر؟ وهل تستطيع حسابات المصلحة أن تتغلب على إرادة شعب يؤمن بحقه الذي لا يسقط بالتقادم؟
التاريخ القريب والبعيد يشير إلى أن القضايا الوطنية لا تُجمَّد إلى الأبد، وأن الشعوب، مهما طال الانتظار، تعيد كتابة حضورها حين تتوفر اللحظة. وبين واقعية القوة وإرادة الحق، يبقى الجنوب واقفًا على مفترق طرق تاريخي، مسلحًا بذاكرته الوطنية، ووعيٍ متزايد بتعقيدات اللحظة، وإيمانٍ راسخ بأن حقه في استعادة دولته سيبقى حاضرًا، مهما حاولت السياسات المتناقضة تأجيله أو الالتفاف عليه.

فيديو