حين تشتعل النار بين واشنطن وطهران… من يحصد المكاسب فوق رماد المواجهة؟

تقارير - منذ ساعتان

عين الجنوب|| خاص:
لم يكن التصعيد الأخير بين الولايات المتحدة وإيران حدثاً مفاجئاً بقدر ما كان انفجاراً مؤجلاً لتراكم طويل من التوترات الإقليمية والصراعات غير المباشرة التي ظلت لسنوات تتحرك تحت سقف الحرب الباردة في الشرق الأوسط. فالمواجهة التي اندلعت شرارتها خلال الساعات الماضية لا تُقرأ فقط باعتبارها صداماً عسكرياً أو أمنياً، بل بوصفها إعادة تشكيل عميقة لموازين القوة في منطقة تعيش أصلاً على حافة الانفجار الدائم.
اللافت في هذا التصعيد أن طرفيه المباشرين يدركان جيداً كلفة الحرب الشاملة، ما يجعل الصراع أقرب إلى حرب محسوبة الإيقاع، تُستخدم فيها الضربات المحدودة والرسائل العسكرية كأدوات ضغط سياسي أكثر من كونها سعياً لحسم عسكري نهائي. الولايات المتحدة تسعى من خلال التصعيد إلى إعادة تثبيت معادلة الردع، وإرسال رسالة واضحة بأنها ما تزال اللاعب الأكثر قدرة على ضبط إيقاع المنطقة ومنع خصومها من توسيع نفوذهم الاستراتيجي، خصوصاً في الممرات البحرية ومناطق الطاقة الحساسة.
في المقابل، ترى إيران في المواجهة ضروره حتميه لا يمكن تجاوزها، قادرة على فرض معادلة الرد بالمثل ورفع كلفة أي استهداف مباشر لها أو لحلفائها. فكل تصعيد لايمنح طهران مساحة أوسع لتعزيز خطابها الداخلي وتوحيد جبهتها السياسيه في أي تسويات قادمة، سواء تعلقت بالملف النووي أو بالعقوبات الاقتصادية الخانقة.
غير أن المستفيدين الحقيقيين من اشتعال التوتر قد لا يكونون أطراف المواجهة المباشرة فقط. فأسواق الطاقة العالمية غالباً ما تتحرك سريعاً مع أي اضطراب في الخليج، ما يفتح أبواب الأرباح أمام الدول المنتجة للنفط والشركات الكبرى التي تستفيد من ارتفاع الأسعار وحالة القلق الدولي. كما تجد بعض القوى الدولية المنافسة فرصة ذهبية لاستنزاف النفوذ الأمريكي في صراع طويل منخفض الحدة، دون الانخراط المباشر في المواجهة.
أما على المستوى الإقليمي، فإن دول الشرق الأوسط تبدو الأكثر قلقاً رغم أنها قد تتحول في الوقت ذاته إلى ساحات نفوذ جديدة تعاد صياغة أدوارها السياسية والأمنية. فكل تصعيد بين واشنطن وطهران يدفع العواصم الإقليمية إلى إعادة تموضع سريع، إما عبر تعزيز التحالفات الأمنية أو محاولة النأي بالنفس عن صراع قد يمتد إلى جغرافيتها في أي لحظة.
الشارع العربي بدوره يتابع المشهد بقدر كبير من الحذر، إذ أثبتت التجارب السابقة أن الحروب الكبرى لا تبقى محصورة بين أطرافها، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد والمعيشة والاستقرار الداخلي للدول الهشة، حيث ترتفع أسعار الغذاء والطاقة وتتزايد الضغوط الاجتماعية، ما يجعل الشعوب غالباً الخاسر الأول في صراعات القوى الكبرى.
وفي قراءة أعمق، يبدو أن المواجهة الحالية ليست معركة لحظة، بل فصل جديد من صراع طويل على شكل النظام الإقليمي القادم: من يسيطر على خطوط التجارة؟ من يضمن أمن الطاقة؟ ومن يمتلك القدرة على رسم حدود النفوذ في مرحلة عالمية تتجه نحو تعدد الأقطاب؟ هذه الأسئلة هي جوهر الصراع الحقيقي، بينما تبقى الضربات العسكرية مجرد أدوات ضمن لعبة استراتيجية أكبر.
وعليه، فإن السؤال الأهم لم يعد من بدأ التصعيد، بل من يستطيع إدارة نتائجه. فالحروب الحديثة لا تُقاس بعدد الصواريخ بقدر ما تُقاس بحجم المكاسب السياسية التي تتحقق بعدها. وفي ظل توازن الردع القائم، قد يكون السيناريو الأقرب هو استمرار المواجهة المضبوطة، حيث يبقى امد الازمه مشتعلاً بما يكفي لتحقيق المكاسب، للوصول إلى تغيّير وجه المنطقة بالكامل.

فيديو