رهانٌ خاسر: كيف أجهزت طهران على أوراق قوتها في المنطقة؟

تقارير - منذ 3 ساعات

خاص|عين الجنوب                       

​في خضم التجاذبات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، يبرز تساؤل جوهري حول جدوى الاستراتيجيات التي تنتهجها إيران، لا سيما حينما تقفز النتائج على أرض الواقع لتكشف عن اتساع الفجوة بين الطموحات التوسعية وبين خسارة الحلفاء والعمق الاستراتيجي. لقد كان بإمكان طهران، في ظل حالة الاستقطاب الدولي وما تواجهه من ضغوطات من قِبل الولايات المتحدة وإسرائيل، أن تجد في محيطها العربي والإسلامي ظهيراً استراتيجياً أو على الأقل مساحة للتهدئة وتخفيف حدة الصراع، لكنها اختارت مساراً مغايراً تماماً، مساراً يقوم على استعراض القوة واستهداف المنشآت المدنية في دول الخليج العربي، وهو قرارٌ يبدو في نظر الكثير من المحللين السياسيين أقرب إلى "الحماقة الاستراتيجية" التي أدت إلى نتائج عكسية تماماً.
​لقد كان استهداف المنشآت الحيوية والمدنية في دول مجلس التعاون الخليجي، ومن بينها سلطنة عُمان التي لطالما حافظت على مسافة متزنة وعلاقات براغماتية مع مختلف الأطراف، بمثابة نقطة تحول في نظرة الشعوب والأنظمة العربية لطهران. إن هذه الممارسات لم تكن مجرد خروقات أمنية عابرة، بل كانت رسائل سياسية فجة قرأتها دول الخليج كتهديد وجودي مباشر لأمنها القومي واستقرارها الاقتصادي. وبدلاً من أن تُبنى جسور الثقة في لحظة كانت فيها المنطقة تتطلع إلى تصفير المشاكل والتركيز على التنمية، وجدت طهران نفسها في عزلة متزايدة، وفقدت تلك الأوراق التي كان يمكن أن توظفها في التفاوض مع القوى الدولية. فالدول العربية، التي كانت تنظر بحذر إلى السياسات الأمريكية والإسرائيلية، وجدت نفسها مضطرة لإعادة تموضعها الأمني والسياسي بحثاً عن ضمانات لحماية سيادتها ومواطنيها، وهو ما دفعها نحو تحالفات وشراكات أمنية جعلت إيران في نهاية المطاف في موقف أضعف.
​إن المعضلة الإيرانية تكمن في قصر النظر السياسي الذي يخلط بين القوة الخشنة والسيادة. فاستهداف الملاحة البحرية، أو التلويح بضرب المنشآت النفطية والبنية التحتية المدنية، لا يعزز من نفوذ الدولة، بل يرسخ صورتها كطرفٍ مزعزع للاستقرار. لقد خسرت طهران الفرصة التاريخية لتكون "شريكاً إقليمياً" يساهم في تأمين المنطقة، واستبدلت ذلك بدور "المشاغب" الذي يدفع جيرانه للارتماء في أحضان القوى الخارجية. واللافت هنا أن العالم الإسلامي، الذي راهنت عليه إيران طويلاً كوعاء لأيديولوجيتها، نظر إلى هذه التحركات بكثير من الريبة؛ إذ كيف يمكن لطهران أن تقود مشروعاً إسلامياً في الوقت الذي تستهدف فيه جيرانها المسلمين وتُعرض أمنهم للخطر؟ لقد تآكلت "القوة الناعمة" الإيرانية التي كانت تستند إلى الخطاب الثوري، وحلت محلها حالة من النفور الشعبي والسياسي الذي تبلور عبر مواقف موحدة لدول مجلس التعاون والمحيط العربي.
​ومع استمرار هذا النهج، تزداد كلفة "الحماقة" التي تصفها التحليلات السياسية؛ فإيران اليوم تجد نفسها أمام جدار مسدود، حيث لم تعد قادرة على المناورة بدبلوماسية "الجار الطيب" لأن أفعالها على الأرض أثبتت عكس ذلك. لقد حولت طهران جيرانها من شركاء محتملين في التنمية والأمن إلى خصوم يراقبون تحركاتها بحذر شديد، ويدعمون أي توجه دولي للحد من نفوذها. إن القراءة المتفحصة للخريطة الجيوسياسية الحالية تكشف أن طهران لم تخسر فقط دول الخليج، بل فقدت بوصلتها في التعامل مع المحيط الإقليمي الذي كان بإمكانه أن يكون سداً منيعاً أمام الضغوط الخارجية. وبدلاً من ذلك، باتت إيران تشعر بوطأة العزلة التي صنعتها بيديها، في درس قاسٍ يثبت أن القوة، حينما تفتقر إلى الحكمة السياسية والتقدير الاستراتيجي السليم، لا تؤدي إلا إلى تأكل مكاسب الدولة وتحويل أصدقائها إلى ألد خصومها.

فيديو