ليسوا أكبر من وطن… حين يرحل الإعلاميون وتبقى قضية شعب الجنوب أكبر من الشاشات والأسماء

تقارير - منذ 1 ساعة

خاص|عين الجنوب                       


في كل منعطف سياسي تمر به الشعوب، يطفو على السطح سؤال يتكرر بصيغ مختلفة: هل تُقاس قوة القضايا بعدد الوجوه التي تتصدر الشاشات، أم بعمق الجذور التي تضرب في وجدان الناس؟ في الحالة الجنوبية، عاد هذا السؤال بقوة عقب مغادرة عدد من الإعلاميين قناة عدن المستقلة وانتقالهم إلى قناة الجنوب اليوم، في خطوة مهنية بحتة، لكنها حُمِّلت أكثر مما تحتمل في بعض دوائر النقاش، وكأن حدثًا إداريًا تحوّل إلى مؤشر سياسي على تراجع أو تصدع.
المشهد، في جوهره، أبسط من كل هذا التضخيم. فالإعلاميون، مهما بلغت مهنيتهم وتأثيرهم، يظلون جزءًا من منظومة عمل تخضع لحسابات مهنية وإدارية وربما مالية. انتقالهم بين مؤسسة وأخرى لا يخرج عن إطار الحركة الطبيعية داخل سوق إعلامي ناشئ يتشكل في بيئة سياسية معقدة. غير أن تضخيم الحدث يكشف عن حساسية عالية تعيشها الساحة الجنوبية، حيث يُقرأ كل تفصيل صغير بوصفه رسالة كبرى.
القضية الجنوبية، كما يراها أنصارها، لم تتأسس على شاشة تلفزيون ولا على استوديو بث، بل على مسار طويل من الاحتجاجات والاعتصامات والتضحيات، منذ ما بعد حرب 1994 وصولًا إلى محطات مفصلية أبرزها تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017، الذي بات يمثل، بالنسبة لمؤيديه، الإطار السياسي الحامل لمطلب استعادة الدولة بحدود ما قبل مايو 1990. هذا المسار، بما يحمله من تعقيدات وتحالفات وصراعات، أكبر بكثير من أن يُختزل في مغادرة إعلاميين أو تعيين آخرين.
في السياق ذاته، لا يمكن إنكار الدور الحيوي الذي لعبته المنصات الإعلامية الجنوبية خلال السنوات الماضية في تشكيل وعي جمعي وصياغة خطاب سياسي متماسك. لكن الفرق يبقى واضحًا بين الوسيلة والغاية. الإعلام أداة تعبير، أما القضية فهي مضمون وهوية ومشروع سياسي. وعندما تختلط الأدوار، يصبح أي تغيير في الأداة وكأنه مساس بالغاية نفسها.
من زاوية أخرى، قد تعكس هذه التحولات الإعلامية حيوية داخلية أكثر مما تعكس أزمة. فالمشهد الإعلامي الجنوبي لا يزال في طور التشكّل، يتأرجح بين المهنية والانتماء، بين متطلبات السوق وضغوط السياسة. انتقال الكفاءات بين القنوات قد يكون دافعًا للتنافس وتحسين المحتوى، بدلًا من أن يكون مؤشرًا على انقسام. بل إن بعض التجارب السياسية في العالم تثبت أن تعدد المنابر داخل التيار الواحد يمكن أن يعزز النقاش الداخلي ويمنح القضية زخمًا أوسع، إذا ما أُحسن توظيفه.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في بقاء إعلامي هنا أو رحيله هناك، بل في قدرة المشروع السياسي نفسه على تجديد خطابه وتوسيع قاعدته الشعبية، خصوصًا في ظل واقع اقتصادي وخدمي ضاغط يعيشه المواطن في الجنوب. فالقضايا الوطنية الكبرى تُختبر بمدى قدرتها على ترجمة الشعارات إلى تحسين ملموس في حياة الناس، وعلى تقديم نموذج إدارة مقنع يعزز الثقة ويبدد الشكوك.
كما أن اختزال أي حراك سياسي في شخصيات إعلامية يحمل في طياته خطورة رمزية؛ إذ يمنح الأفراد وزنًا يفوق وزن الفكرة. والتجارب التاريخية تؤكد أن القضايا التي ترتبط بأشخاص أكثر من ارتباطها بمؤسسات وأطر تنظيمية راسخة تكون أكثر عرضة للاهتزاز عند أول تغير في المشهد.
في المقابل، يبقى من حق الإعلاميين، كأي مهنيين، اختيار المسار الذي يرونه مناسبًا، دون أن يتحول قرارهم الشخصي إلى مادة للتخوين أو التشكيك. فحرية الحركة المهنية جزء من أي بيئة إعلامية صحية. وإذا كانت القضية الجنوبية تؤكد على حق تقرير المصير والاختيار الحر، فإن أول تجليات ذلك هو احترام خيارات الأفراد داخلها.
الرهان، إذن، ليس على بقاء أسماء بعينها، بل على بقاء الفكرة حيّة ومتجذرة. الجنوب، بتاريخه وتعقيداته وتنوعه الجغرافي من المهرة شرقًا إلى باب المندب غربًا، لا يمكن أن يُختصر في مؤسسة أو قناة أو حتى قيادة بعينها. هو مشروع سياسي واجتماعي وثقافي يتطلب نفسًا طويلًا، وإدارة حذرة للتباينات، واستثمارًا واعيًا لكل طاقة بشرية، سواء بقيت في موقعها أو اختارت موقعًا آخر.
في النهاية، قد يكون الحدث الإعلامي الأخير مجرد اختبار صغير لمدى نضج الخطاب العام. فإما أن يتحول إلى مادة للتهويل والاصطفاف الحاد، وإما أن يُقرأ في حجمه الطبيعي كحركة داخل مشهد متغير. أما القضية ذاتها، فإن قوتها الحقيقية ستظل رهينة بمدى قدرتها على تجاوز الأشخاص، والارتكاز على مؤسسات راسخة، ورؤية سياسية واضحة المعالم، لا تهتز برحيل موظف ولا تتضخم بحضور آخر.

فيديو