حين تسقط رهانات الوساطات… هل يعاد رسم المشهد من بوابة الجنوب؟

السياسة - منذ 4 ساعات

عدن خاص|| عين الجنوب 

لم يكن فشل الاتفاقيات التي رعتها مسقط مجرد تعثر عابر في مسار التهدئة، بل شكّل نقطة تحوّل عميقة في قراءة المشهد اليمني والإقليمي. فالتفاهمات التي بُنيت على أمل احتواء التصعيد وفتح نافذة نحو تسوية سياسية، اصطدمت بواقع أكثر تعقيدًا، حيث برزت جماعة الحوثي كفاعل يتجاوز الإطار المحلي، منخرطًا في سياقات إقليمية تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية بشكل واضح.
هذا التحول لم يضع الرياض أمام تحديات أمنية فقط، بل كشف أيضًا حدود الرهانات السابقة التي قامت على فكرة احتواء الجماعة عبر التفاهمات غير المباشرة. ومع اتساع دائرة التوتر، بدا أن الخيارات تضيق، وأن الاستراتيجية التي اعتمدت على التهدئة المرحلية لم تعد كافية لضمان الاستقرار أو حماية المصالح الحيوية في المنطقة.
في المقابل، يجد مجلس القيادة الرئاسي نفسه في موقف أكثر تعقيدًا، إذ تتآكل قدرته على التأثير مع تراجع الثقة في مكونات ما يُعرف بالشرعية، خاصة في ظل اتهامات متكررة بعدم الفاعلية أو تضارب الأولويات. هذا الواقع يعيد طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل هذه المنظومة، ومدى قدرتها على الاستمرار كإطار جامع في ظل الانقسامات والتحديات المتسارعة.
وسط هذا المشهد المتغير، يبرز الجنوب كفاعل سياسي وعسكري لا يمكن تجاهله. فالقوى الجنوبية، وعلى رأسها المجلس الانتقالي، استطاعت خلال السنوات الماضية فرض حضورها على الأرض، مستفيدة من تحولات الميدان ومن تراجع أدوار أطراف أخرى. ومع تعثر الخيارات الأخرى، يبدو أن هناك إدراكًا متزايدًا إقليميًا ودوليًا بأن أي تسوية قادمة لن تكون قابلة للحياة دون إشراك هذه القوى بشكل حقيقي.
غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته لدى أنصاره، يظل جزءًا من معادلة أكثر تعقيدًا، إذ إن إعادة تشكيل التحالفات أو إعادة ترتيب الأولويات لن يكون مجرد قرار سياسي سريع، بل عملية ترتبط بحسابات دقيقة تتعلق بالتوازنات الداخلية، والمصالح الإقليمية، والضغوط الدولية. فالمشهد اليمني بطبيعته متعدد الأطراف، وأي محاولة لتغليب طرف على آخر دون توافق أوسع قد تفتح الباب لموجات جديدة من الصراع.
في النهاية، ما يحدث اليوم لا يمكن قراءته كفشل لاتفاقية بعينها فقط، بل كمؤشر على نهاية مرحلة كاملة من إدارة الأزمة. مرحلة كانت تقوم على احتواء التوتر دون معالجته جذريًا. ومع انكشاف هذه المقاربة، تبدو المنطقة أمام لحظة إعادة تقييم شاملة، قد تعيد رسم ملامح الدور السعودي، وتعيد تعريف موقع القوى المحلية، وفي مقدمتها الجنوب، ضمن معادلة جديدة لم تتضح تفاصيلها بعد، لكنها بالتأكيد لن تشبه ما قبلها.

فيديو