الجنوب.. فوق كنوزٍ تُنهب وتحت أزماتٍ تُصنع: كيف تحوّل الثراء إلى فقرٍ مُمنهج؟"

السياسة - منذ 14 ساعة

عدن، عين الجنوب|| خاص

في مشهدٍ يبدو للوهلة الأولى متناقضًا حدّ الصدمة، يعيش الجنوب حالةً اقتصاديةً خانقة، بينما ترقد أرضه على واحدٍ من أغنى المخزونات الطبيعية والمواقع الاستراتيجية في المنطقة. هذا التناقض لم يعد مجرد صدفة أو نتيجة ظروف عابرة، بل بات – وفق كثير من المراقبين – نتاج سياسات طويلة الأمد، أفرزت واقعًا مختلًا تُستنزف فيه الثروات وتُقيَّد فيه فرص النهوض.
فعلى امتداد محافظات مثل شبوة وحضرموت، حيث الحقول النفطية والغازية، تتدفق موارد ضخمة كان من المفترض أن تُحدث نقلة نوعية في حياة السكان، إلا أن الصورة على الأرض تعكس واقعًا مغايرًا تمامًا. خدمات متدهورة، كهرباء متقطعة، وعملة منهكة، في مقابل عوائد لا يُرى لها أثر حقيقي في حياة المواطنين. وبين هذه المفارقة الصارخة، تتعزز قناعة بأن المشكلة ليست في غياب الموارد، بل في مسار إدارتها وتوزيعها.
ولا يختلف الحال كثيرًا في ملف الثروة السمكية، حيث يمتد الساحل الجنوبي على مسافة طويلة، يُعد من أغنى السواحل في المنطقة. ومع ذلك، يواجه الصياد المحلي تحديات متزايدة، في ظل دخول أطراف نافذة إلى هذا القطاع، واستنزاف الموارد البحرية بطرق غير مستدامة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار محليًا رغم وفرة الإنتاج. وهنا، يتجسد التناقض مجددًا: بحر غني، وسوق يعاني.
أما الموانئ، وعلى رأسها ميناء عدن، فهي تمثل أحد أهم الأصول الاقتصادية التي كان يمكن أن تجعل من الجنوب مركزًا تجاريًا إقليميًا بارزًا. غير أن الأداء المتراجع، والتعطيل المستمر، وغياب الاستثمار الفعّال، كلها عوامل ساهمت في تقليص الدور الحيوي لهذه الموانئ، في وقت تتصاعد فيه المنافسة الإقليمية على خطوط الملاحة الدولية. ويذهب محللون إلى أن هذا التراجع لا يمكن فصله عن حسابات سياسية معقدة، تتداخل فيها المصالح والنفوذ.
هذا الواقع المركب يطرح تساؤلات جوهرية: كيف يمكن لمنطقة بهذه الإمكانات أن تعاني كل هذه الأزمات؟ ولماذا لا تنعكس الثروات على مستوى معيشة المواطن؟ الإجابة، كما يراها كثيرون، تكمن في غياب القرار الاقتصادي المستقل، واستمرار منظومات الفساد، وتداخل السلطات، بما يحول دون إدارة فعالة للموارد.
في ظل هذه المعطيات، يتنامى خطاب الوعي الذي يربط بين الاقتصاد والسيادة، ويؤكد أن أي مشروع سياسي لا يمكن أن ينجح دون استعادة السيطرة على الموارد وإدارتها بشفافية. فالقضية لم تعد مجرد مطالب خدمية أو تحسينات مؤقتة، بل تحوّلت إلى مسألة تتعلق بحق تقرير المصير الاقتصادي، باعتباره المدخل الحقيقي لأي استقرار مستدام.
إن ما يجري اليوم لا يمكن قراءته فقط من زاوية الأرقام، بل يجب فهمه في سياقه الأوسع، حيث تتقاطع السياسة بالاقتصاد، وتُستخدم الموارد كأدوات نفوذ، لا كوسائل تنمية. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف، يدفع ثمن اختلالات لم يكن طرفًا في صناعتها.
وفي خضم هذا المشهد، تتصاعد الدعوات إلى بناء وعي جمعي يعيد تعريف الأولويات، ويضع ملف الثروات في صدارة النقاش العام، باعتباره مفتاحًا لأي تحول حقيقي. فاستعادة الحقوق، كما يرى كثيرون، لا تبدأ من الشعارات، بل من فهم عميق لطبيعة المعركة، حيث لم تعد المواجهة عسكرية بقدر ما هي صراع على الوعي والقرار.
وبين ثراء الأرض وضيق العيش، تتجلى واحدة من أكثر المفارقات قسوة، لكنها في الوقت ذاته قد تكون الشرارة التي تعيد صياغة المستقبل، إذا ما تحوّل الوعي إلى فعل، والمعرفة إلى مشروع، والإرادة إلى واقع.

فيديو