بين كماشتي التفكيك الناعم والهيكلة غير المتوازنة الجنوب في اختبار الإرادة والسياسة

السياسة - منذ 1 يوم

عين الجنوب | خاص.    
في مشهدٍ سياسي معقد تتداخل فيه الحسابات الإقليمية بالمصالح المحلية، تبدو التحركات السعودية تجاه الملف الجنوبي وكأنها تسير على خطين متوازيين لا يلتقيان، بل يتقاطعان عند نقطة واحدة فقط: الضغط على المشروع الجنوبي ومحاولة إعادة تشكيله بما يتوافق مع رؤية أوسع لا تمنح الجنوب موقعه الذي ينشده.
في الداخل، تتجلى ملامح هذا المسار بوضوح عبر خطوات متسارعة تستهدف البنية الصلبة التي تشكلت خلال السنوات الماضية، وعلى رأسها القوات الجنوبية التي كانت ولا تزال تمثل ركيزة أساسية لأي مشروع وطني جنوبي. عمليات التفكيك الناعمة، وإعادة الهيكلة غير المتوازنة، ومحاولات إضعاف الانتماء الوطني داخل هذه التشكيلات، لا يمكن قراءتها كإجراءات عابرة، بل كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تقليص تأثير هذه القوات وتحويلها من قوة فاعلة إلى كيان قابل للاحتواء أو التهميش.
وبالتوازي مع ذلك، يتم العمل على تغذية المشهد السياسي والإعلامي بأصوات تتخذ موقفًا معاديًا من قضية الجنوب، ليس فقط في مواجهة المجلس الانتقالي، بل في استهداف الفكرة الجنوبية ذاتها، ومحاولة تفكيك الإجماع الشعبي حول مشروع الاستقلال. هذه الأصوات، التي يتم تضخيم حضورها، تسهم في خلق حالة من التشويش والارتباك، وتعيد إنتاج خطاب قديم يسعى إلى إضعاف الثقة بالذات الجنوبية وبقدرتها على إدارة مستقبلها.
أما في الرياض، حيث يفترض أن تُدار الحوارات وتُصاغ الحلول، فإن المسار لا يبدو أقل تعقيدًا. فاحتجاز الوفد الجنوبي، أو على الأقل تقييد حركته السياسية، وتعطيل أي خطوات يمكن أن تعزز من مكاسب الجنوب، يعكس حالة من الجمود المتعمد، أو إدارة الوقت بطريقة تستنزف الزخم السياسي الذي تحقق. هذا الوضع لا يضعف فقط موقف الوفد، بل يخلق فجوة متزايدة بين تطلعات الشارع الجنوبي وما يجري خلف الأبواب المغلقة.
هذا التباين بين الداخل والخارج يكشف عن معادلة دقيقة، حيث يتم الضغط ميدانيًا وسياسيًا في آنٍ واحد، بما يؤدي في النهاية إلى إعادة تشكيل المشهد الجنوبي وفق شروط جديدة. غير أن هذه المعادلة، رغم تعقيدها، تصطدم بحقيقة ثابتة، وهي أن الجنوب لم يعد كما كان، وأن الوعي الشعبي الذي تراكم عبر سنوات من التضحيات لم يعد قابلًا للتجاوز أو الالتفاف عليه بسهولة.
وفي خضم هذا المشهد، يتحمل الوفد الجنوبي في الرياض مسؤولية تاريخية لا تحتمل التردد أو الحسابات الضيقة. فالتحدي لم يعد مجرد تمثيل سياسي، بل معركة وعي وإرادة تتطلب قراءة دقيقة لما يجري، وفهمًا عميقًا لحجم المخاطر التي تحيط بالمشروع الجنوبي. إن أي تهاون في هذه المرحلة قد لا يكون مجرد خطأ سياسي، بل قد يفتح الباب أمام تراجعات يصعب تعويضها لاحقًا.
الجنوب اليوم يقف عند مفترق طرق حقيقي، بين مشروع يسعى إلى تثبيت ذاته رغم كل الضغوط، ومسارات تعمل على إعادة تشكيله بما يخدم توازنات إقليمية معقدة. وبين هذا وذاك، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الجنوبيين، قيادةً وشعبًا، على الحفاظ على تماسكهم، ورفض الانزلاق نحو صراعات داخلية، والتركيز على الهدف الأكبر الذي يجمعهم.
ففي نهاية المطاف، قد تتعدد المسارات وتتناقض السياسات، لكن الشعوب التي تمتلك وضوح الهدف وصلابة الإرادة، تظل قادرة على فرض معادلتها، مهما طال الزمن وتعقدت الظروف.

فيديو