حين تراجعت القوة… وصعد الخصم: كيف انقلبت معادلة الحرب؟

تقارير - منذ 1 ساعة

خاص|عين الجنوب                  

لم يكن المشهد كما توقعه كثيرون في بدايات الحرب. فالدولة التي دخلت المعركة بثقلها العسكري والسياسي، وبدعم إقليمي ودولي واسع، كانت تُقدَّم باعتبارها الطرف القادر على الحسم السريع، فيما صُوّر خصمها كقوة محدودة يمكن احتواؤها أو تفكيكها خلال أشهر. لكن السنوات قلبت الحسابات رأساً على عقب، وأعادت رسم ملامح الصراع بطريقة لم تكن في الحسبان.
السعودية، التي قادت التحالف العسكري، وجدت نفسها في حرب طويلة مفتوحة، تستنزف الموارد وتضغط على الداخل، وتُربك حسابات الأمن والاستقرار. ومع مرور الوقت، لم تعد المعركة مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى اختبار معقد للقدرة على إدارة صراع متعدد الأبعاد: عسكرياً، وسياسياً، واقتصادياً، وحتى إعلامياً. كلما طال أمد الحرب، تراجعت فرص الحسم، وازدادت كلفة الاستمرار.
في المقابل، استطاع الحوثي أن يعيد تشكيل نفسه داخل هذه المعادلة. فبدلاً من الانهيار تحت الضربات، عزز حضوره، وطوّر أدواته، ونجح في تحويل موقعه من طرف مهدد إلى لاعب يصعب تجاهله. لم يكن هذا التحول مجرد نتيجة للقوة العسكرية، بل أيضاً لقدرته على استثمار أخطاء خصومه، وتوظيف الزمن لصالحه، وتقديم نفسه كطرف صامد في وجه تحالف أكبر منه بكثير.
ومع مرور السنوات، بدأت ملامح "الانتصار" و"الهزيمة" تتبدل. لم يعد الانتصار يعني السيطرة الكاملة، ولا الهزيمة تعني الانكسار التام. بل أصبحت المعايير أكثر تعقيداً: من يفرض شروطه في التفاوض؟ من يحافظ على تماسكه الداخلي؟ من ينجح في البقاء لاعباً رئيسياً رغم كل الضغوط؟ وفق هذه المقاييس، بدا أن الحوثي استطاع تثبيت نفسه كقوة أمر واقع، بينما اضطرت السعودية إلى إعادة تقييم استراتيجيتها والبحث عن مخارج سياسية.
التحول الأكبر لم يكن في الميدان فقط، بل في الخطاب. من لغة الحسم العسكري إلى مفردات التهدئة والحوار. من وعود إنهاء التهديد إلى اعتراف ضمني بضرورة التعايش معه. هذه النقلة لم تأتِ فجأة، بل كانت نتيجة تراكمات طويلة من الإخفاقات والتحديات التي فرضت واقعاً جديداً لا يمكن تجاهله.
لكن القول بأن طرفاً "انتصر" بشكل مطلق، أو أن آخر "انهزم" بالكامل، قد يكون تبسيطاً مخلّاً. فالحرب في اليمن لم تُنتج حتى الآن نهاية واضحة، بل خلّفت واقعاً هشاً ومعقداً، حيث تتداخل القوى وتتصارع المشاريع، وتبقى البلاد رهينة توازنات دقيقة قابلة للانفجار في أي لحظة.
ما حدث فعلياً هو أن موازين القوة تغيّرت، وأن الحسابات القديمة لم تعد صالحة. السعودية لم تعد في موقع الهجوم كما كانت، والحوثي لم يعد ذلك الخصم الذي يمكن تجاهله أو التقليل من شأنه. وبين هذا وذاك، يبقى اليمنيون هم من يدفعون الثمن الأكبر، في حرب لم تنتهِ، لكنها غيّرت كل شيء.

فيديو