تحليل حين تتحول “الشرعية” إلى فاتورة مفتوحة… من يدفع الثمن في الجنوب؟

دراسات وتحليلات - منذ 1 ساعة

خاص|عين الجنوب                 

لم يعد الجدل في الجنوب يدور حول مفهوم “الشرعية” بحد ذاته، بقدر ما بات يتركّز على كلفة استمرارها بالشكل الحالي. فمع مرور السنوات، تشكّل واقع معقّد جعل كثيرين ينظرون إليها لا كإطار جامع، بل كعبء ثقيل يضاف إلى سلسلة الأزمات اليومية التي يواجهها المواطن.
في قلب هذا الشعور تقف المسألة الاقتصادية. الجنوب، بما يمتلكه من موارد حيوية كالموانئ والنفط، أصبح في نظر كثيرين مصدر تمويل رئيسي لنفقات حكومية تتجاوز حدوده الجغرافية. تُصرف رواتب وتُغطّى التزامات في مناطق خارج السيطرة الفعلية، بينما المدن الجنوبية نفسها تغرق في أزمات كهرباء خانقة، وانهيار في الخدمات، وتدهور مستمر في العملة. هذا التناقض خلق إحساسًا عميقًا بأن الموارد تُستنزف دون أن تعود بنتائج ملموسة على الأرض.
سياسيًا، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فمؤسسات “الشرعية” تعاني من هشاشة واضحة، سواء بسبب بعدها عن الداخل أو ضعف قدرتها على فرض قراراتها. في المقابل، ظهرت قوى محلية تدير الواقع اليومي وتتحمل أعباء الأمن والخدمات، ما خلق حالة ازدواجية بين سلطة رسمية بلا نفوذ كافٍ، ونفوذ فعلي بلا غطاء كامل. هذه الفجوة جعلت الجنوب يتحمل العبء الأكبر دون أن يمتلك القرار الكامل.
ومع تراكم الإخفاقات، بدأت الثقة تتآكل. الشارع لم يعد يقيس الأمور بالشعارات أو المرجعيات، بل بما يلمسه في حياته اليومية. وعندما تستمر الأزمات دون حلول جذرية، تتحول أي جهة مرتبطة بإدارة هذا الواقع إلى جزء من المشكلة. هكذا، لم تعد “الشرعية” في نظر كثيرين مشروع إنقاذ، بل عنوانًا لعجز مستمر.
الأمر لا يتوقف عند الداخل فقط، بل يمتد إلى تعقيدات المشهد الإقليمي. فاختلاف أجندات القوى الداعمة، وتباين أولويات الأطراف داخل معسكر “الشرعية”، جعل الجنوب يشعر بأنه ورقة ضمن صراع أكبر، لا شريكًا في صياغة مستقبله. وبين حسابات السياسة وضغوط الواقع، يبقى المواطن هو الحلقة الأضعف.
في النهاية، ما يحدث ليس مجرد تبدّل في المواقف، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من الاختلالات. حين تُدار الموارد دون عدالة، وتُتخذ القرارات بعيدًا عن الناس، وتغيب النتائج الملموسة، يصبح أي كيان—مهما كانت شرعيته—عرضة لأن يُنظر إليه كعبء. وفي الجنوب، يبدو أن هذه القناعة لم تعد هامشية، بل تتحول تدريجيًا إلى رأي عام يتشكل على وقع الأزمات اليومية.

فيديو